بعد بقاء عسكر رئيسا للأركان .. ما دلالة التغييرات المحدودة في الجيش؟

- ‎فيتقارير

صدّق زعيم الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي، على إجراء تغييرات محدودة داخل القوات المسلحة، قبل وقت قصير من مسرحية انتخابات رئاسية مرتقبة بنهاية العام الجاري، وفي ظل أزمة اقتصادية وسياسية يتسع مداها. وشملت التغييرات، التي من المنتظر تنفيذها بداية من أول يوليو المقبل (2023)، قائد قوات الحرس الجمهوري، المسؤول الأول عن تأمين القصور الرئاسية وزعيم الانقلاب، كما شملت رئيس هيئة العمليات، ورئيس الاستخبارات الحربية.

وشاع خلال الأيام الماضية أنباء حول تغيير رئيس أركان حرب القوات المسلحة، الفريق أسامة عسكر من منصبه، وتعيين رئيس هيئة العمليات الحالي، الفريق أحمد خليفة، بدلاً منه، لكن عسكر بقي في منصبه وتم تعيين خليفة في منصب الأمين العام لوزارة الدفاع، وهو منصب “إداري”.

وتم تعيين الفريق أسامة رشدي عسكر في منصبه، في أكتوبر 2021، بقرار من السيسي، ليصبح الشخص الأهم والأقوى داخل الجيش، إذ يسيطر صاحبه من خلاله على تشكيلات القوات المسلحة الرئيسية، سيطرة تامة وفعلية على الأرض، بينما يبقى لوزير الدفاع القرارات السياسية العامة، وكان الفريق عسكر قبل ذلك رئيساً لهيئة عمليات القوات المسلحة. وفي ديسمبر 2019م تم تعيين عسكر في رئاسة العمليات، أي بعد ثلاثة أشهر من تظاهرات سبتمبر الواسعة، وتصاعد الحديث عن الفساد في المشروعات العسكرية، ولا سيما على لسان الممثل والمقاول محمد علي، وحينها قرر السيسي تصعيد أسامة عسكر مرة أخرى، بعد إطاحته قبل ذلك من المناصب العسكرية، في خطوة “غير معتادة”.

أما رئيس هيئة العمليات الحالي، الفريق أحمد فتحي خليفة، فأصدر السيسي قراراً، في يناير2023م بترقيته إلى رتبة الفريق، بالإضافة إلى اللواء أحمد الشاذلي رئيس هيئة الشؤون المالية للقوات المسلحة، واللواء أشرف سالم زاهر، مدير الأكاديمية العسكرية، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ القوات المسلحة، إذ إن رتبة الفريق كانت مقتصرة على رئيس أركان حرب القوات المسلحة وقادة الأفرع الرئيسية. وكان خليفة قبل شغله منصب رئيس هيئة العمليات، مديراً لإدارة الشؤون المعنوية. أما رئيس هيئة العمليات الجديد الذي عُيِّن خلفاً للفريق أحمد فتحي خليفة، فهو اللواء نبيل حسب الله، قائد قوات شرق القناة لمكافحة الإرهاب.

وحسب صحيفة “العربي الجديد” فقد صدَّق السيسي على تعيين اللواء شريف فكري، قائماً بأعمال رئيس هيئة الاستخبارات العسكرية، بدلاً من اللواء محرز عبد الوهاب، الذي عُيِّن مساعداً لوزير الدفاع. وكان فكري يشغل منصب رئيس “جهاز الملحقين الحربيين” العاملين بالسفارات المصرية في الخارج، وعرف عنه نشاطه في توضيح “الاستراتيجية المصرية في مكافحة الإرهاب”، وعُيِّن اللواء طارق نصار قائداً للحرس الجمهوري، خلفاً للواء مصطفى شوكت الذي عُيِّن نائباً لرئيس ديوان رئيس الجمهورية.

وحسب المعلومات، فقد عُيِّن اللواء محمـد عز الدين جحوش، قائد المنطقة الغربية العسكرية، الملاصقة للحدود المصرية الليبية، في منصب قائد قوات حرس الحدود، وعُيِّن اللواء محمد هيثم في قيادة المنطقة الغربية، كذلك عُيِّن اللواء أشرف شريف، رئيساً لهيئة التنظيم والإدارة، خلفاً للواء عبد الناصر يوسف. كذلك عُيِّن قائد المنطقة المركزية العسكرية، اللواء فهمي هيكل، مساعداً لوزير الدفاع، واللواء أحمد رضا فرغلي، مديراً لإدارة شؤون الضباط، واللواء محمد محمود رجب، مديراً لإدارة الشرطة العسكرية، واللواء إيهاب فكري، مديراً لإدارة المدرعات، واللواء هيثم عارف، مديراً لإدارة الحرب الإلكترونية.

 

السيسي مرعوب من الرفاق

ويرى الخبير الاقتصادي الأمريكي روبرت سبرنبورج، أن الجيش أصبح خطرا يهدد السيسي، بعدما غدت المؤسسة العسكرية قوية بشكل هائل اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا. وقال، سبرنبورغ، خلال الجزء الثاني من مقابلته  مع الإعلامي المصري أسامة جاويش، عبر برنامجه “آخر كلام” المذاع على فضائية “مكملين”، والذي عرض الأربعاء 25 يناير23م، إن: “الجيش المصري لم يعد خطرا يهدد رخاء البلد فحسب، بل هو خطر محدق بالقيادة الحالية نفسها، فقد غدا قويا بشكل هائل اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا”. موضحا أن “أذرع الجيش تتواجد الآن في النظام التعليمي وفي النظام الزراعي وفي القطاع الصناعي، وفي قطاع الإنشاءات وكل ما يخطر ببالك.. لا يوجد مجال الآن إلا والجيش هو الفاعل الأبرز فيه”. ويضيف: “لذا إذا كنت الرئيس ورأيت تلك المؤسسة الضخمة تزداد قوة على قوتها، لا بد أن تبدأ بسؤال نفسك عما إذا كان سيأتي اليوم الذي تقرر فيه هذه المؤسسة أنها لم تعد بحاجة إليك، وذلك بالضبط هو ما حدث لمبارك، وكان السيسي نفسه أداة لذلك”. ولمزيد من التوضيح يقول إن “السيسي يرى الآن أن من الأفضل له أن يقص قليلا من أجنحة الجيش، وبذلك يثبت لهم أنه هو الزعيم وأنه ليس بإمكانهم أن يفعلوا ما يريدون وعليهم أن يأخذوا ذلك بالحسبان، ثم يعمد إلى حرمان بعض المعارضين المحتملين في صفوف الضباط من امتيازاتهم”. 

وحسب “سبرنبورج”، فإن السيسي قام ببناء أنظمة تدريب لتكتلات تقنية دمجها بعد ذلك في ذلك الكيان الموازي للدولة، كما جند رجال أعمال من القطاع الخاص للعمل فيها، فما عمله بالمحصلة هو أنه أنشأ دولة ثانية وهي دولة يتحكم بها شخصياً بشكل مباشر، وأصبحت مشكلته تكمن فيما عساه يفعله مع الدولة الأولى، ولذلك فإن استراتيجية بناء دولة موازية، جعلته يدرك أنه لا مفر بالضرورة من أن تكون لديها استراتيجية لقمع المعارضين لأنه ما من سبيل آخر”؛ ولذلك فالسيسي في علاقته بقواد الدولة المصرية القديمة قبل 2013م، اعتمد على الهجوم (التفكيك)  على القاعدة التي بناها ناصر وحافظ عليها السادات ومبارك، وكانت تلك القاعدة هي قطاع الخدمة المدنية، الذي كان يدير الدولة في كل المجالات بما في ذلك الاقتصاد، ومن الواضح أن السيسي يزدري قطاع الخدمة المدنية. ويمكن أن يفسر هذا قناعة السيسي بأن القطاع العام متضخم بعدد الموظفين فيه، بينما أداؤه مترد وأنه يتمتع بكثير من الامتيازات ومنعدم الكفاءة، لذلك فما أراد فعله هو إيجاد هيكل إداري جديد من القمة إلى القاعدة يمكنه شخصياً من إحكام قبضته بالكامل على جل الاقتصاد السياسي”.

ويبدي الخبير الاقتصادي الأمريكي تشاؤمه  من مستقبل مصر تحت حكم السيسي في ظل الحالة القائمة؛ حيث تعاني مصر من “سوء إدارة الاقتصاد” وهو السوء الذي أمسى مؤسساتيا بشكل راسخ، وقيادة الاقتصاد المصري الآن غدت في الأيدي الخطأ، ولا يوجد نقاش جاد حول صياغة السياسة الاقتصادية في مصر”، لافتا إلى أن “رواد الاقتصاد يتم تهميشهم، والأشخاص الذين يديرون الاقتصاد المصري حاليا مجرد خبراء في العملات الأجنبية”. وأضاف: “فكرة أنك تدير اقتصاد بلد تعداد سكانه 104 ملايين نسمة، وهو واحد من أكبر الاقتصاديات ذات الدخل المنخفض في العالم، من خلال حفنة من الناس ليسوا ولا في الحد الأدنى اقتصاديين مختصين، ويأتمرون بأمر جيش ورئيس لا توجد لديهم أدنى فكرة عن الموضوع، تفيد بأنك ما لم تحدث لديك تغييرات جوهرية، بأن تفتح النظام وتدير نقاشاً جاداً، حول ما الذي ينبغي أن يكون عليه الاقتصاد المصري، ومن ينبغي أن يكون الفاعلون وما هي السياسة التي ينبغي أن تُصنع.. وإلى أن يحدث ذلك فلن تملك إلا أن تكون متشائماً”.