" إذا أردنا أن نمتلك إرادتنا، فعلينا أن ننتج غذاءنا ودواءنا وسلاحنا"، تلك العناصر الثلاثة هى ضمان الاستقرار والتنمية وامتلاك الإرادة كما أرادها الرئيس الشهيد محمد مرسي، دولا أخرى غير مصر بالطبع تعتبر تلك المعادلة أساس أمنها وسلامة أراضيها ووجودها القومي على خارطة العالم.
ومن بين تلك الدول إيران التي كشفت النقاب عما تقول إنه أول صاروخ بالستي محلي الصنع تفوق سرعته سرعة الصوت، ونشرت صورا للصاروخ المسمى "الفتاح"، في حفل نُظم في مكان لم يتم تحديده، حضره الرئيس إبراهيم رئيسي ومسؤولون عسكريون رفيعو المستوى بينهم رئيس الحرس اللواء، حسين سلامي.
وأشاد رئيسي بالسلاح الجديد، قائلا إنه "سيجعل البلاد أقوى"، في حين يقول تقرير لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام “SIPRI”، صدر في 15 مارس 2021، أنه “سواء كانت شعوبهم تعاني الجوع والفقر أو جائحة كورونا، فحكام العرب لا يتوقفون عن التسلح”.
في التسلح 3 فوائد: “رشاوى” للقوى الكبرى كي لا تضغط بورقة حقوق الإنسان، و”عمولات” للأنظمة من الصفقات، و”مغامرات عسكرية” لحماية كراسي الحكم.
بحسب التقرير، لم يؤثر انهيار أسعار النفط ولا الأزمة المالية وانهيار الاقتصاد الناتجة عن جائحة كورونا في وقف نهم الحكام العرب لشراء الأسلحة، فجاءت 5 دول عربية ضمن أكبر 10 دول اشترت أسلحة بين عامي 2016 و2020.
فقائمة أكبر 10 دول مستوردة للسلاح في العالم، هناك 5 دولة عربية هي: السعودية (المرتبة الأولى)، ومصر (3)، والجزائر (6)، وقطر (8)، والإمارات (9).
بالمقابل، أفاد التقرير السنوي لمعهد ستوكهولم لبحوث السلام الدولي أن صادرات تركيا من الأسلحة المصنعة محليا نمت بنسبة 30 بالمئة في السنوات الخمس الماضية المنتهية في 2020.
فيما انخفضت وارداتها من الأسلحة بنسبة 59 بالمئة في السنوات الخمس الماضية (2016-2020)، بسبب سياسة التصنيع المحلي التركية للأسلحة، وتحتل المرتبة الثالثة عشر في قائمة الدولة الصدرة.
والمفارقة هي الزيادة الكبيرة في صادرات السلاح من الدول الغربية للأنظمة القمعية العربية، رغم تصاعد انتهاكات حقوق الإنسان، ورفض أوروبا حظر تصدير الأسلحة لهذه الدول المنتهكة للحريات.
أهم ما أكده تقرير معهد ستوكهولم لعام 2021، هو زيادة واردات الشرق الأوسط من الأسلحة بمقدار الربع حتى عام 2020، رغم أن مبيعات الأسلحة على مستوى العالم ظلت مستقرة خلال نفس الفترة.
دول الشرق الأوسط وحدها استحوذت على أكبر زيادة في واردات الأسلحة، بارتفاع قدره 25 بالمئة في 2016-2020 مقارنة بالفترة من 2011 إلى 2015.
مبيعات الأسلحة الدولية عموما لم تزد وظلت ثابتة في الفترة من 2016 إلى 2020، وعلى نفس مستواها من 2011 إلى 2020، وهو ما أكده التقرير في عنوانه: “استقرار عمليات بيع الأسلحة دوليا بعد سنوات من النمو الحاد، بينما واردات الشرق الأوسط تزداد أكثر”!
جائحة كورونا، والأزمة المالية التي ترتبت عليها أثرت على شراء الدول للأسلحة، إلا أن غالبية الدول العربية والشرق الأوسط شكلت استثناء من ذلك، ومع هذا، “وقعت العديد من الدول عقود أسلحة كبيرة في ذروة الجائحة والآثار الاقتصادية للوباء”، حسبما يقول بيتر وايزمان كبير الباحثين في معهد ستوكهولم، لكن عام كورونا 2020 شهد عموما انخفاضا بنسبة 16 بالمئة على أساس سنوي في قيمة عمليات نقل الأسلحة العالمية.
يقول تقرير معهد ستوكهولم مارس 2021، إن مصر زادت وارداتها من السلاح، الممول في معظمه بالقروض والديون، في السنوات الخمس الماضية بنسبة 136 بالمئة، مقارنة بالفترة بين عامي 2011 و2015.
هذه هي ثاني زيادة ضخمة في مشتريات مصر من السلاح بعد الزيادة الأضخم في الفترة من 2013-2017 بنسبة 225 بالمئة، حسب تقرير ستوكهولم مارس 2019.
واردات مصر من السلاح شكلت 5.8 بالمئة من حجم واردات السلاح العالمية، وكانت روسيا هي أكبر مزود لها بنسبة 41 بالمئة، تلتها فرنسا (28 بالمئة)، ثم أميركا (8.7 بالمئة).
ركزت واردات مصر من الأسلحة على القوات البحرية بسبب النزاع في البحر المتوسط مع تركيا بشأن التنقيب عن الغاز والمياه الاقتصادية.
الملفت أن هذا التوسع المصري في شراء السلاح لم يعد موجها ضد إسرائيل كما كان الحال في الماضي، بل وتباركه تل أبيب، نظرا لتقاطع أهدافها مع بعض أهداف نظام عبد الفتاح السيسي، في شرق المتوسط والبحر الأحمر.
"يشتري السيسي السلاح ليحقق 3 أهداف أساسية؛ الأول شراء ولاء الجنرالات في القوات المسلحة، والثاني شراء الشرعية خارجياً وضمان الحد من الأصوات المنتقدة لانتهاكات حقوق الإنسان، والثالث العمولات التي يستفيد منها هو شخصياً بطبيعة الحال"، هكذا علق لواء متقاعد في الجيش المصري، على صفقات السلاح وأسباب استمرارها والتوسع فيها رغم وصول الأزمة الاقتصادية في البلاد إلى مستوى مرعب مؤخراً.
وأضاف اللواء متقاعد، الذي طلب عدم نشر اسمه لأسباب أمنية، أن كثيراً من صفقات الأسلحة التي أبرمتها مصر خلال السنوات الماضية كان هدفها الرئيسي "سياسياً" وليس عسكرياً، موضحا أن الرئيس السيسي في بداية حكمه كان يريد شراء "الشرعية" بأي ثمن، خصوصا أن أغلب الدول الغربية كانت تعتبره "انقلابياً".
وهكذا جاءت صفقات السلاح مع فرنسا وإيطاليا وألمانيا أيضاً في ذلك الإطار، أما استمرار تلك الصفقات رغم أن مسألة "شرعية السيسي" قد تم تجاوزها، فيرجع بالأساس إلى ضرورة استمرار "العمولات" التي يحصل عليها السيسي نفسه وقادة الجيش المصري، بحسب اللواء متقاعد.
وفقاً للقانون المصري لا يوجد شيء يسمى "عمولات رسمية" في صفقات الأسلحة، لكن هذه الأمور سرية ومعروفة في الأوساط الاقتصادية وأسواق السلاح في العالم كله. وأثناء التحقيقات مع الرئيس الراحل مبارك تم الكشف أنه كان يحصل على نسبة تقدر بـ 5% عن كل صفقة سلاح، ونسبة قريبة من ذلك لوزير الدفاع والمجلس الأعلى للقوات المسلحة الذين يقومون بالتعاقد مع شركات السلاح.
الخلاصة هنا، هي أن مصر تشتري أسلحة بعشرات المليارات من الدولارات، في الوقت الذي تعجز فيه الحكومة عن التدخل لحماية الفقراء ومحدودي الدخل من تبعات الأزمة الاقتصادية الخانقة، التي فاقمها الهجوم الروسي على أوكرانيا، بل ولا يكف السيسي عن الحديث عن "الدعم الموجه لرغيف الخبز".