“قمة دول الجوار” واستعادة الدور المصري في السودان.. قراءة هامشية

- ‎فيتقارير

خسرت مصر مكانتها كقوة إقليمية مؤثرة منذ زمن بعيد لا سيما في السودان وليبيا وحتى الملف الفلسطيني باستثناء قطاع غزة الذي يحظى فيه الدور المصري بوضع خاص لاعتبارات جغرافية بحتة؛ ومنذ اندلاع الحرب الأهلية السودانية في 15 إبريل 2023م بين الجيش من جهة وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو من جهة ثانية، انكشف الدور المصري على نحو صادم، واتضح للجميع أن مصر لم يعد لها دور مؤثر في البلد الشقيق الذي كان حتى نحو سبعة  عقود فقط  جزءا من الدولة المصرية؛ وقد كان الملك فاروق يطلق عليه لقب ملك مصر والسودان حتى انفصل السودان سنة 1956م في أعقاب انقلاب 23 يوليو، بعدما ظهرت دلائل الدكتاتورية العسكرية في حكم الطاغية جمال عبدالناصر وعصابته من صغار الضباط الأشرار كما أطلق عليه محمد نجيب أول رئيس للجمهورية بعد الانقلاب في مذكراته.

واستضافت القاهرة الخميس 13 يوليو 2023م  قمة «دول الجوار» والتي تستهدف بالأساس ضمان امتناع تلك الدول المشاركة في القمة عن تقديم دعم لطرفي الصراع السوداني، القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، وتكوين جبهة ضغط عليهما للتفاوض. وانتهى البيان الختامي للقمة التي شاركت فيها رؤساء (7) دول وحكومات هي مصر و إفريقيا الوسطى، وتشاد، وإريتريا، وإثيوبيا، وليبيا، وجنوب السودان، أشار إلى تشكيل آلية وزارية لمتابعة اﻷزمة، تعقد اجتماعها الأول في تشاد، على أن يكون من مهامها وضع خطة عمل بحلول عملية لوقف الاقتتال، عبر التواصل المباشر مع الأطراف السودانية المختلفة، على أن تعرض توصياتها على القمة المقبلة، التي رجح مصدر حكومي مصري انعقادها في إثيوبيا.

تقديرات الموقف في جهاز المخابرات المصرية ووزارة الخارجية ترى أن لهذه القمة أهمية كبرى لارتباط هذه الدول مباشرة وبشكل عميق بالتطورات في السودان، سياسيًا وأمنيًا و اقتصاديًا. إذ دعمت غالبية هذه الدول، خلال العقود الماضية، العديد من الجماعات المسلحة غرب وجنوب وشرق السودان، في إطار نزاعها المستمر مع الحكومة السودانية السابقة بقيادة الرئيس السابق عمر البشير. وتسعى القاهرة إلى حث دول جوار السودان على الامتناع عن تقديم أي دعم أمني أو سياسي أو عسكري لأي من الجماعات المسلحة، مع محاولة إلزام هذه الدول بتنسيق الجهود لتكوين جبهة موحدة للضغط على طرفي القتال للجلوس مباشرة على طاولة الحوار، من أجل وضع حد للقتال المستمر منذ ثلاثة أشهر وتسبب في موجات نزوح لنحو ثلاثة ملايين شخص داخل وخارج السودان.

تكتسب هذه القمة أهميتها من أن جميع دول الجوار السوداني بلا استثناء تواجه مشاكل أمنية وتوترات داخلية يمكن أن تنفجر في أي وقت؛ وبالتالي هناك مخاوف مشتركة من انتقال عدوى الحرب الأهلية والفوضى في السودان إلى دول الجوار؛ والجميع ظاهريا مضطرون إلى تبني وقبول هذه المبادرة؛ لأن أي تقاعس في هذا الشأن سينعكس سلبًا على تلك الدول بفعل هشاشة أوضاعها الأمنية وارتباطاتها المعقدة بالسودان وانتشار الميليشيات والجماعات المسلحة والتداخل العرقي والنزاعات الحدودية، وهي عوامل إن لم يتم أخذها جيدًا في الحسبان من قبل تلك الدول سينتقل الصراع إلى داخلها بشكل أسرع.

من جانب ثالث، فإن هذه القمة هي محاولة لاستعادة الدور المصري في السودان بعدما فقدت  مصر مصداقيتها لانحيازها للمكون العسكري على الدوام قبل الحرب الأهلية؛ ما أفقد المكون المدني في الحكومة السودانية أي ثقة في الدور المصري لا سيما في أعقاب الترحيب المصري بانقلاب المكون العسكري على حكومة عبدالله حمدوك في أكتوبر 2021م. وكان اختطاف قوات الدعم السريع لعدد من الجنود المصريين في بداية الحرب الأهلية يمثل رسالة تهديد للنظام المصري لإجباره على النأي عن دعم الجيش وقائده الفريق عبدالفتاح البرهان الذي أدى التحية  العسكرية للسيسي في أول زيارة له للقاهرة بعد الإطاحة بحكم الرئيس السابق عمر البشير في إبريل 2019م. ورغم تصريحات السيسي في 18 إبريل 2023م أن القوات المصرية في السودان لا تشارك في الصراع الدائر لكنها في تدريبات عسكرية مشترك إلا أن صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية كشفت أن القوات المصرية في السودان لم تكن من أجل القيام بتدريبات مشتركة، وإنما لتقديم الدعم للفريق عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش السوداني، في صراعه ضد نائبه محمد حمدان دقلو (المعروف باسم حميدتي) قائد قوات الدعم السريع. ووفقًا للصحيفة، فقد أرسلت مصر طائرات حربية وطيارين لدعم الجيش السوداني، وأن طائرة مصرية على الأقل قد دمّرت مستودعًا للذخيرة تسيطر عليه قوات الدعم السريع.

وكان الاتفاق الإطاري الذي تم التوصل إليه، في 5 ديسمبر 2022، بين "قوى الحرية والتغيير- المركز المركزي"، مع مجلس السيادة، تم من خلال جهود قادتها الآلية الثلاثية الخاصة بالسودان (الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي ومنظمة إيغاد) إضافة للرباعية المكونة من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا والسعودية والإمارات، وفي ظل غياب ملحوظ لمصر، التي أعلنت تأييدها له، باعتباره خطوة مهمة ومحورية لإرساء المبادئ المتعلقة بهياكل الحكم في السودان. لكن القاهرة حاولت عمليا إفساد هذا الاتفاق الإطاري عبر طرح مبادرة سياسية بديلة، ومحاولة استقطاب بعض القوى المدنية لتبنيها في حين رفضتها الكتلة الرئيسية في قوى إعلان الحرية والتغيير وهي كتلة المجلس المركزي. وحسب مراقبين فإن الاتفاق عكس مدى تقزم الدور المصري لحساب قوى إقليمية صاعدة بات لها التأثير والحضور مثل السعودية والإمارات. وبعد الحرب الأهلية انعقدت في مايو 2023م عدة اجتماعات في مدينة جدة السعودية وليس القاهرة بمشاركة أمريكية في ظل غياب كامل للدور المصري الذي فقد تأثيره في المشهد الإقليمي.

وأجبر الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع النظام في مصر إلى التراجع عن دعم الجيش السوداني ولو بشكل ظاهري لما تحظى به أبو ظبي من نفوذ واسع وتأثير ضخم على صناعة القرار السياسي في القاهرة منذ انقلاب السيسي في يوليو 2013م بدعم سعودي إماراتي واسع.  ويرى بعض المحللين أن خطأ التقديرات المصرية في أزمة ليبيا وانحياز القاهرة لقوات خليفة حفتر ضد حكومة طرابلس ما أفقدها القوة والتأثير والحضور في المشهد الليبي دفع القاهرة إلى عدم تكرار ذات الخطأ في السودان. فرغم اليقين بانحياز القاهرة للجيش السوداني إلا أنها تسعى للظهور في صورة المحايد؛ حتى لا تفقد دور كوسيط محل ثقة الطرفين إذا لزم الأمر، وحتى لا تخسر كل شيء إذا راهنت على أحد الطرفين وخسر الصراع في النهاية ما يكلف القاهرة كثيرا هي في غنى عنها لا سيما في ملفات الحدود والأمن المائي والأمن القومي بشكل عام. علاوة على ذلك، فإن الاتجاه للحياد في الأزمة هو السائد لدى معظم دول العالم والمنظمات الدولية، التي لا تنظر إلى حميدتي والدعم السريع على أنه ميليشيا متمردة، ولكن تنظر إليه على أنه أحد مكونات المؤسسة العسكرية، ومن ثم فإن الصراع يدور بين جناحين داخل هذه المؤسسة يحظى كل منهما بشرعية دولية.

وكما يبدو أن النظام المصري يحاول تحسين الصورة الذهنية "السلبية" السائدة عنه عند القوى المدنية، التي تراه ينحاز دائما للعسكر سواء خلال حكم البشير أو بعده، وهو ما تمثل جليًّا في دعم مصر الانقلاب على حمدوك، في أكتوبر 2021، ما حدا بهذه القوى إلى رفض أي تدخل مصري في الوساطة، أو أي أنشطة تقوم بها مصر في هذا الشأن. ومن ذلك رفض قوى الحرية والتغيير (كبرى المكونات المدنية في البلاد) ولجان المقاومة الثورية، فضلًا عن أطراف مدنية أخرى، توصيات ورشة العمل التي استضافتها مصر في فبراير2022 بعنوان "آفاق التحول الديمقراطي نحو سودان يسع الجميع"، لإيجاد منبر لحوار يؤدي إلى توافق سوداني-سوداني. ويبدو أن قوى الحرية والتغيير المجلس المركزي القريبة من حميدتي الآن، لا تزال ترفض أي جهود مصرية للوساطة، وتتهم القاهرة بالانحياز للبرهان.

وحسب الباحث والمحلل السياسي الدكتور خليل العناني فإن توّرط مصر في الصراع الدائر حاليا بالسودان ليس مفاجئا، ولا يجب أن يكون كذلك، ولم تكن هناك حاجة لمداراته، خاصة أن مؤشراته أوضح من أن يتم إخفاؤها أو الكذب بشأنها، فالسودان منذ الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير أصبح ساحة مفتوحة لكافة القوى الإقليمية والدولية. وكل طرف يسعى لتعظيم مكاسبه أو على الأقل تقليل خسائره في ظل حالة النزاع والفراغ السياسي هناك. ولكن المشكلة كانت، ولا تزال، هي في كيفية صياغة إستراتيجية التأثير والنفوذ بحيث لا تكون لها ارتدادات عكسية على المصالح المصرية في السودان، لا سيمنا وأن ثمة ارتيابًا  مصريا في السلوك السياسي لحميدتي الذي انقلب على حلفائه السابقين خاصة عمر البشير الذي لعب دورًا مهمًّا في وصوله إلى ما هو عليه الآن، وهو ما يعني عدم الوثوق به أو في وعوده. إضافة إلى أن شبكة العلاقات الخارجية القوية لحميدتي أثارت مخاوف القاهرة من إمكانية اتباع سياسة خارجية مستقلة قد لا تتماشى مع المصالح المصرية في المنطقة.