«االأنثروبولوجيين الأمريكيين» ..تقاطع المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية ..ماذا بعد ؟

- ‎فيتقارير

أعلنت رابطة الأنثروبولوجيين الأمريكيين، الإثنين 24 يوليو 2023م، مقاطعة المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية، بعد استفتاء أُجري بين أعضائها بالاقتراع الإلكتروني بين 15 يونيو و14 يوليو الجاري، انتهى إلى تأييد القرار من 2016 عضوًا بنسبة 71٪ من المصوتين، في حين عارضه 835 عضوًا بنسبة 29٪.

وحسب بيان الرابطة التي تأسست عام 1902 تضم 12000 عضو، وتعد واحدة من أكبر وأقدم الكيانات الأكاديمية في الولايات المتحدة، فإنها بهذا القرار  تسلط الضوء على الصراع في الشرق الأوسط، ومعاناة الشعب الفلسطيني من الاحتلال الإسرائيلي، وتدفع نحو حلِ لهذه الأزمة. وأوضحت ــ حسب الخبر الذي نشره موقع  مدى مصر ــ  أن المقاطعة ستقتصر على امتناع الرابطة عن التعاون الرسمي مع المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية، دون أن ينسحب ذلك على العلماء واﻷفراد والطلاب المنتسبين لتلك المؤسسات.

وأشارت إلى أن هذه المقاطعة يمكن إنهائها حينما يُجمع عدد من الخبراء المُكلفين منها، بأن المؤسسات اﻷكاديمية الإسرائيلية توقفت بشكل كبير عن تواطؤها في انتهاك الحقوق الفلسطينية بالشكل المنصوص عليه في القانون الدولي، لافتة إلى أن المجلس التنفيذي للرابطة سيقيّم الوضع كل خمس سنوات على اﻷقل، أو عند الحاجة، ليقرر استمرار المقاطعة.

 

الرواية الفلسطينية تتمدد

وفي يونيو 2022م، نشر السفير الإسرائيلي الأسبق في واشنطن، زلمان شوفال، مقالا بصحيفة “معاريف” العبرية، ناقش فيه التداعيات السلبية المحتملة على (إسرائيل) جراء الاستقطاب الحاد داخل المجتمع الأمريكي بين الحزبين الكبيرين الجمهوريين والديمقراطيين، وقال إن “حالة الاستقطاب الأمريكية الداخلية لا تبشر بالخير لدولة الاحتلال، لأن الولايات المتحدة تسعى لحل أزماتها الداخلية، وليس إعادة بناء مكانتها الدولية، وهذا أيضًا أمر سيء لإسرائيل، لأنه رغم خلافات تل أبيب وواشنطن حول إيران والقضية الفلسطينية، فإن الولايات المتحدة تبقى حليفا استراتيجيا للاحتلال، يقيم فيه ما يقرب من نصف يهود العالم”.

وحسب رصد السفير الإسرائيلي فإن “مصادر القلق الإسرائيلي الأخرى تتمثل في زيادة التأييد الأمريكي للفلسطينيين، فهناك حقيقتان تثيران المخاوف الإسرائيلية، أولهما أن الشباب الأمريكي (خارج الحزبين الكبيرين) حتى سن 29، يوجد بينهم مؤيدون للفلسطينيين أكثر من إسرائيل، أما بين الشبان الجمهوريين فإن الدعم لإسرائيل ضعف ما هو عليه للفلسطينيين، ولدى الشبان الديمقراطيين توجد ميزة طفيفة على الفلسطينيين، مع وجود من يكرهون اليهود، والدولة اليهودية، وينكرون حق إسرائيل في الوجود”.

ما ذكره السفير الإسرائيلي الأسبق في قراءته للواقع الإسرائيلي، أعاد إلى الأذهان تصريحات رئيس جهاز الموساد السابق “تامير باردو” في منتصف 2022م،  حول أن الفشل الإسرائيلي في حل القضية الفلسطينية، يزيد من حظوظ وجهات النظر المعادية لها حول العالم، بما فيها المعادية للسامية وتنامي تيار اليسار الراديكالي، وهذه الظواهر منتشرة في الجامعات الأمريكية، مثل هارفارد ونيويورك.

وحسب السفير الإسرائيلي فإنه رغم أن أغلب أعضاء الحزب الديمقراطي الأمريكي غير معادين للاحتلال، فإن الأغلبية والقيادة في مجلسي الكونجرس، وكذلك الرئيس نفسه يدعمه تقليديًا، ويعارض المبادرات المعادية له، لكن اليسار التقدمي للحزب الديمقراطي يواصل نضاله ضده، باعتباره جزءًا من صراعه مع القيادة التقليدية، حيث يعمل بشكل منهجي على تعزيز مواقفه بدعم من أعضاء مجلس الشيوخ اليساريين بيرني ساندرز وإليزابيث وارين، وصولا إلى الخبراء الذين انضموا لقافلة المعادين، مثل ماثيو دوس مستشار السياسة الخارجية لساندرز، الذي هاجم في مقال له ما أسماه موقف إدارة بايدن المدلل تجاه إسرائيل”.

وتسبب في استفزاز النخبة الإسرائيلية مبادرات أطلقت في 2022م، دعت إلى قطع التعاون الأمني بين الولايات المتحدة وإسرائيل، بما في ذلك المساعدات المقدمة للقبة الحديدية؛ ودعم “حق العودة” للاجئين الفلسطينيين، وإقامة يوم تذكاري رسمي للنكبة، وهذه الدوائر المعادية لإسرائيل بين أعضاء الكونجرس يزيد وزنها النسبي مع مرور الوقت مقابل القيادة المخضرمة المؤيدة للاحتلال، حتى أنه في مجلس النواب بات الصراع علنيا بين أنصار إسرائيل ومعارضيها، وهذا تطور مقلق لدى الاحتلال، وفقا لصحيفة معاريف.

 

انهيار الحداثة الغربية

وينتقد الكاتب د.عصام عبدالفتاح في مقاله المنشور بصحيفة المصري اليوم بتاريخ 9 فبراير 2023م تحت عنوان: (الحداثة الغربية وتناقضاتها المأساوية)، الموقف الغربي بشكل عام من القضية الفلسطينية؛ ويرى أن القضية الفلسطينية أدت إلى انكشاف الحداثة الغربية وإخفاقها فيما تنادي به من مبادئ الحرية والعدالة والمساواة؛ متسائلا: « كيف يمكن لحضارة أثمرتها أفكار فلاسفة كان جل همهم البحث عن الحقيقة وتحقيق الحق والعدالة أن تؤدى إلى نقيضها؟، هل ضلت الحداثة الغربية طريقها كما يرى كثيرون؟، هل خان العقل التنويرى نفسه وانبرى ليدمر منجزاته فى تخليص البشرية من ظلمات التخلف والأصولية؟».

يقول الكاتب صاحب الخلفية العلمانية المتطرفة: «إن أمريكا والاتحاد الأوروبى موقنان بأن فلسطين محتلة. وأن شعبها ذاق كل صنوف العذاب والقهر والظلم تحت جبروت جيوش الاحتلال الإسرائيلى، ورغم ذلك يمتنعان فعليًا عن إعادة الحقوق للشعب الفلسطينى وتحقيق دولته المستقلة!». ويضيف: «لا شك أن الحداثة الغربية كانت لها فضائل ورذائل فى نفس الوقت. تكمن فضائلها فى إنجازاتها التنويرية وتمجيداتها لقيم العدالة والمساواة وحقوق الإنسان، أما رذائلها- وهنا تبدو أعجب متناقضاتها فى الواقع- فهى مردودة إلى ما أدت إليه من استغلال وسيطرة وانتهازية. لقد حدت هذه الظاهرة بفلاسفة كثيرين إلى البحث عن الأسباب العميقة التى انحرفت بفلسفة الحداثة عن مسارها لتفرخ فى النهاية واقعا مأساويًا متضادًا تمامًا مع مبادئها الجوهرية. فبدلًا من أن تكون الحداثة سبيلًا لإنقاذ البشرية من مشاكلها ووسيلة لتحقيق آمالها فى العدالة والمساواة، تحولت إلى أداة للقهر واستراتيجية براجماتية تستخدمها القوى العظمى فى ممارسة القهر والاستغلال».

فهل يمكن أن يكون قرار رابطة الأنثروبولوجيين الأمريكيين مقدمة لعودة الحداثة الغربية إلى رشدها أم أن ذلك لا يمثل فارقا في ظل هيمنة السياسة الانتهازية وازدواجية المعايير في كل الحكومات الغربية؟!