قناة السويس، بين شقي رحى من التهديدات والمخاطر التي تهدد مستقبلها وإيراداتها وموقعها ودورها كممر استراتيجي للتجارة العالمية ومصدر أساسي للعملات الأجنبية لمصر وقاطرة للاقتصاد القومي.
فمن جهة، يسعى السيسي، الذي أهدر أموال مصر في مشاريع بعضها بلا جدوى اقتصادية أو لا تأتي ضمن أولويات الشعب المصري خلال هذه الفترة ما فاقم الديون وفوائدها على مصر وأدى إلى تأجيل مصر مواعيد أقساط الديون وتمدد آجال الدين وتزيد من فوائده هروبا من إعلانها رسميا الإفلاس والتخلف عن سداد الديون، إلى رهن قناة السويس لمدة تصل لـ 99 عاما لصالح أبوظبي، من أجل سداد الديون وتوفير دولارات تمكنه من تغطية احتياجات تثبيت كرسي حكمه المستبد، خشية من ثورة جياع تتهدد مصر، وهو ما بدأه بالإعلان عن إنشاء صندوق خاص بالقناة، وطرح عددا من أصول شركات القناة للبيع بالبورصة، كشركة الحبال وشركة الشحن، وذلك تمهيدا لإنشاء صندوق قابض يضم كل شركات القناة وطرحه بالبورصة بنظام الأسهم، وهي طريقة احتيالية للبيع، ولكن دون الإعلان عن البيع أو التأجير المباشر.
ومع تفاقم الغضب الشعبي والرفض من قبل أطراف بالدولة لمسار البيع والتفريط في القناة، من أجل 200 مليار دولار، جاءت فكرة وزير النقل المقرب من السيسي، كامل الوزير، بلا إعلان عن دخول شركاء استراتيجيين يديرون الموانئ المصرية، باستثمارات كبيرة وخبراتهم في إدارة الموانئ المصرية دون تحديد، وذلك بدلا من الطرح في البورصة الذي يثيير المخاوف المصرية، وتلك التهديدات تؤثر سلبا على كفاءة قناة السويس، كممر مائي عالمي، شيده المصريون ودافعوا عنه بدمائهم.
خط إسرائيلي منافس
من جهة ثانية، يأتي التهديد الأخطر لقناة السويس، من قبل أصدقاء إسرائيل الحميمين، الذين يحمي أمنهم ولا يسمح بأن تشكل الأراضي المصرية لهم أي تهديد .
حيث أعلنت حكومة الكيان الصهيوني في جلستها الأسبوعية يوم الأحد الماضي عن خطة لبناء مشروع خط سكة حديد، سيصل ميناء إيلات في أقصى الجنوب بمدينة كريات شمونا في أقصى الشمال، والتي تتاخم الحدود مع لبنان.
ووفق ما جاء على لسان وزيرة المواصلات الإسرائيلية ميري ريجف ووزير المالية بتسلال سموتريتش، فإن هذا المشروع يأتي في إطار مشروع شامل لتطوير قطاع السكة الحديد يشمل تدشين المزيد من خطوط السكة الحديدية لربط المزيد من المناطق داخل إسرائيل، حيث تبلغ كلفته الإجمالية 100 مليار شيكل حوالي 28 مليار دولار.
وحسب صحيفة "ذي ماركر" الاقتصادية، فإن المشروع الشامل يتضمن تدشين خط سكة حديد يربط إسرائيل بالأردن.
ويحمل تدشين خط سكة الحديد "إيلات كريات شمونا" في طياته تهديدا جديدا إضافيا لقناة السويس، كأحد أهم الشرايين المهمة للتجارة الدولية وفق مراقبين، بعد تفعيل خط إنبوب إيلات عسقلان، الذي بات يتم عبره نقل النفط الإماراتي إلى أوروبا، بالإضافة إلى نقل النفط من دول أخرى في الاتجاه الآخر إلى دول جنوب شرق آسيا.
وسيربط خطة سكة الحديد "إيلات كريات شمونا" ميناء إيلات بالموانئ الرئيسة في إسرائيل، تحديدا ميناء أشدود، وهذا يزيد من فرص استخدامه كجسر بري في نقل المسافرين والبضائع المتجهة من الخليج ومن آسيا بشكل عام إلى أوروبا والعكس.
وكان "مركز أبحاث الأمن القومي"، قد دعا في أعقاب حادثة جنوح سفينة الحاويات "أيفر جيفن" في 23 مارس العام 2021 في قناة السويس وتعطل حركة الملاحة فيها، إلى تدشين خط سكة حديد يربط إيلات بميناء أشدود، لكي تحوز إسرائيل على جزء مهم من حركة التجارة الدولية.
وحسب المركز، فإنه يمكن للسفن المتجهة من الخليج وآسيا إلى أوروبا والغرب أن ترسو في ميناء إيلات، بحيث يتم نقل حمولتها من البضائع في القطارات المتجهة من إيلات إلى ميناء أشدود ومن هناك يتم شحنها في سفن إلى أوروبا .
وأشار المركز إلى أنه يمكن أيضا نقل البضائع في الاتجاه المعاكس أيضا، بحيث تفرغ السفن القادمة من أوروبا والغرب حمولتها في ميناء أشدود لتنقل في القطار المتجه إلى إيلات، وهناك يتم تحميل هذه البضائع في سفن تتجه إلى الخليج وآسيا
وتوقع المركز أن يثير تدشين مشروع خط السكة هذا حساسية مصر لما سيكون له من تأثيرات سلبية على دور ومكانة قناة السويس، سيما وأن تدشينه سيأتي بعد البدء بتطبيق تنفيذ الاتفاق مع الإمارات بنقل نفطها إلى أوروبا عبر "إنبوب إيلات عسقلان".
وكانت دولة الاحتلال قد أعلنت لأول مرة عن مشروعها لتدشين خط السكك الحديد الذي يربط إيلات بمينائي حيفا وأشدود في عام 2013، حيث كان نتنياهو يرأس حكومتها في ذلك الوقت، لكن لم يتم إقرار المشروع في النهاية.
وروجت إسرائيل في حينه إلى أن إنجاز المشروع سيعمل على تسريع حركة التجارة الدولية بشكل كبير، حيث زعمت أن نقل البضائع من إيلات إلى أشدود والعكس سيستغرق ساعتين فقط.
وعلى الرغم من أن الحكومة الإسرائيلية لم تقدم بالأمس تفاصيل حول الجهة التي يمكن أن تنفذ مشروع خطة سكة "إيلات كريات شمونا"، إلا أن حكومة نتنياهو في عام 2013 أوضحت أنها تفضل أن تضطلع شركات صينية بمهمة تدشين هذا المشروع، حيث زار وزير المواصلات الإسرائيلي في ذلك الوقت يسرائيل كاتس بكين لمناقشة الفكرة مع عدد من أرباب الشركات الصينية.
المشروع أيضا، سيعزز من بيئة السياحة في إيلات، حيث أنه سيسهم في وصول مليوني سائح إلى المدينة، وكانت إسرائيل والإمارات قد اتفقتا في العام 2021 على نقل النفط الإماراتي المتجهة إلى أوروبا عبر خط الإنبوب "إيلات عسقلان"، حيث تم الشروع في تطبيق الاتفاق.
نفط الإمارات
وكشف تحقيق نشرته صحيفة "هارتس" الشهر الماضي، أن عدد ناقلات النفط التي تتجه إلى ميناء "إيلات" تضاعف خمس مرات خلال العامين الماضيين بعد تطبيق الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي.
وحسب التحقيق فإن الاتفاق الذي تم توقيعه قبل أكثر من عامين بين شركة "خط أنبوب إيلات عسقلان" والحكومة الإسرائيلية وشركة " Red־Med " الإماراتية يطبق حاليا، حيث تنقل ناقلات نفط عملاقة النفط الإماراتي إلى ميناء "إيلات" ويتم ضخه عبر إنبوب "إيلات عسقلان" إلى ميناء "عسقلان" الواقع على شاطئ المتوسط، ومن هناك ينقل عبر البحر إلى الدول الغربية.
ونقل التحقيق عن مسؤولين كبار في وزارة الطاقة الإسرائيلية قولهم: إن "إسرائيل يمكن أن تستفيد من النفط الإماراتي الذي يصدر عبرالإنبوب لاحتياجاتها الخاصة، سيما في مجال المتطلبات الصناعية، دون أن يقدموا المزيد من التفاصيل، فخط إيلات عسقلان يعمل في الاتجاه المعاكس أيضا، حيث يتم ضخ النفط من ميناء عسقلان إلى ميناء إيلات، ومن هناك يتم نقله إلى جنوب شرق آسيا، وتحديدا إلى الصين".
ومن تلك المعطيات، يتضح حجم الخسائر الاستراتيجية التي أُصيبت بها قناة السويس، سواء في مجال نقل النفط العربي بعيدا عنها أو النفط القادم إلى آسيا والصين من البحر المتوسط، بجانب حجم التجارة العالمية الذي ستفقده أيضا، بعد تدشين خط السكة الحديد من إيلات على البحر الأحمر إلى أشدود على البحر المتوسط .
أم الرشراش وتيران وصنافير
يشار إلى أن ميناء إيلات الإسرائيلي، أقيم على أرض مصرية خالصة وفق القانون الدولي، هي "أم الرشراش" التي تنازلت عنها النظم الحاكمة في مصر لإسرائيل، منذ اتفاق السلام، كما أن بيع جزيرتي تيران وصنافير للسعودية أفقد مصر سيطرتها الكاملة على خليج العقبة عند مدخله الجنوبي، وباتت المياه المصرية دولية، ما مكن إسرائيل من تنفيذ مشاريعها الاستراتيجية على حساب مصر وقناة السويس.
ووفق مراقبين، فإنه لولا الاتفاق المصري السعودي لترسيم الحدود البحرية وتنازل مصر عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، ما كانت تستطيع إسرائيل إنشاء خط التجارة الذي ينطلق من إيلات، حيث كانت مصر تتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.