بعد أن أصبحت الشركات أقرب للإفلاس والإغلاق والمصانع بلا مواد خام ومستلزمات إنتاج، بات تشغيلها عبئا اقتصاديا يقود لإغلاقها لوقف نزيف الخسائر، ورغم ارتفاعات جميع أنواع السلع والخدمات والأدوية بلا رقابة من أحد، يظل فشل السيسي الذريع في إيجاد حل لأزمة شح الدولار، بعدما أنفق دولارات مصر واحتياطيها الأجنبي في مشاريع لا جدوى اقتصادية منها، ولا تولد عملات صعبة، فإن مصير لبنان يلوح في الأفق المصري، مهددا بفوضى عارمة، وقودها أكثر من 100 مليون مواطن، يدخل أغلبهم تحت خط الفقر والعوز ، وهو ما قد يهدد دول الإقليم ودول الجوار، بل ويهدد استقرار أوروبا ، التي قد تكون أحد وجهات قوارب الهجرة غير الشرعية بغزارة غير مسبوقة، مع تصاعد نسب الجوع والقهر الاقتصادي والأمني بمصر الموبؤة بحكم العسكر.
وهو الأمر الذي يقود مصر على غرار لبنان، في ظل توجه عدد من الشركات المحلية والدولية إلى فرض الدولار في تعاملاتها مع الجمهور على شراء السلع والخدمات، من بينها خدمات النقل والطيران والإنترنت والسيارات والعقارات والأراضي.
اندفاع غير محسوب نحو الدولرة
فيما يحذر خبراء من اندفاع غير محسوب نحو "دولرة" للاقتصاد على غرار الحاصل في لبنان، حيث الإفلاس والانهيار الشاملين، مؤكدين خطورة أن تتحول العملة المحلية إلى مجرد أوراق ملونة بيد المواطنين، في ظل سيادة الورقة الأمريكية الخضراء على تعاملات قطاعات حيوية بالدولة.
ووفق مراقبين يدفع شح الدولار الحكومة إلى جمعه بأية وسيلة، لذا منحت حائزيه مميزات عند شراء الأراضي بالمدن الجديدة والعقارات الفارهة، وأخيرا سمحت لمن يملكه بإدخاله إلى البنوك العامة من دون التحقق من مصادره، ومن دون حد أقصى، بما يعرض التصنيف الائتماني للبنوك الوطنية للتراجع، لعدم التزامها بالضوابط الدولية لمراقبة غسيل الأموال.
توسعت شركات عقارية ووكلاء سيارات دوليين في بيع منتجاتهم خلال الآونة الأخيرة بالدولار، كما تجري بعض الشركات عمليات البيع تحت ستار البيع للأجانب والمقيمين بالخارج، وأخرى تبين اتخاذها الدولار كوحدة معاملة مالية، مع حق المستهلكين في الدفع بالدولار والجنيه.
فيما يظهر رجال الأعمال عدم ثقة واضحة بالجنيه، مع غموض رؤية حكومية حول مستقبل الاقتصاد، واستمرار شح العملات الصعبة، وعدم توافر الدولار بالبنوك، رغم تعدد وسائل إغراء المواطنين على توجيه مدخراتهم من العملة الصعبة إلى البنوك، وتعهد الحكومة مرارا بحل الأزمة.
ولجأت شركة "أوراسكوم للتنمية" إلى تقييم أسعار البيع بالدولار واليورو، وفقا لأسعار الصرف المعلنة مقابل الجنيه، مبررة ذلك بأن نسبة كبيرة من عملائها من الأجانب، وأعلنت شركة السادس من أكتوبر للتنمية والاستثمار "سوديك" بيعها وحدات عقارية فاخرة بالدولار أو العملات الصعبة، بعد استحواذ شركة "الدار العقارية"، المملوكة للصندوق السيادي لحكومة أبوظبي، على 86% من أسهم الشركة مطلع العام الجاري.
وبررت "سوديك" قرارها بأنها تستهدف البيع للأجانب المقيمين في مصر، الذين لا يملكون حسابا محليا بالجنيه، والعملاء من خارج البلاد، وأن الأمر غير ملزم بالنسبة للمصريين، وفي السياق، حصلت "سوديك" على 6 ملايين متر مربع من أراضي هيئة التنمية العمرانية التابعة لوزارة الإسكان، على مدار 20 عاما، في مدينة الشيخ زايد والعاصمة الإدارية والساحل الشمالي، بمبالغ تتراوح ما بين 20 جنيها إلى 1500 جنيها للمتر.
أما شركة "إعمار مصر" الإماراتية فقد تراجعت عن بيع وحداتها بالدولار، بعد ضغوط من الدولة، إثر إعلانها في وسائل الإعلام الربيع الماضي عن طرح مشروعاتها المستقبلية بالدولار.
وتبرر الشركة توجهها للبيع بالدولار، إلى أن الدولار يستخدم مقياسا لضبط الأسعار مع التكلفة، أسوة بما هو متبع مع عقود المقاولات لشراء مواد البناء وعلى رأسها الحديد والنحاس والمعادن والأخشاب.
يتراوح سعر الدولار في السوق العقاري والسيارات مقابل الجنيه ما بين 38 و40 جنيها في العقود القابلة للتنفيذ الفوري، و46 جنيها بالعقود الآجلة.
انسحاق جديد للجنيه
ويتعرض الجنيه لسحق مستمر أمام الدولار والعملة الصعبة، في ظل انخفاض تحويلات المصريين بالخارج، وقلة التدفقات الدولية، وتراكم الديون الخارجية، وزيادة العجز بين الصادرات والواردات، وتوجه الأموال الساخنة خارج السوق المحلية، عقب ارتفاع الفائدة على الدولار والعملات الرئيسية، أدت إلى خروج نحو 22 مليار دولار دفعة واحدة في مارس 2022.
يشير محللون إلى أن تباطؤ عمليات البيع للعقارات ورفع الشركات العقارية من برنامج دعم الفائدة التي كانت تحت رعاية الدولة خلال السنوات الماضية، مع زيادة معدلات الفائدة بالبنوك، وتراجع قيمة الجنيه، تؤدي إلى تمسك المطورين العقاريين بحساب التكاليف بما يعادل الدولار، ورغبة البعض في الحصول على الدولار من المصريين العاملين بالخارج مقابل تسهيلات في الدفع أو تخفيض قيمة العقار.
وتضع الشركات معدلات التضخم الأساسي في حساباتها، عند تحديد أسعار السلع المستوردة ومواد البناء والسيارات، لرسم سياساتها المالية لفترات مقبلة.
ومنذ مارس 2022، تصاعدت أرقام التضخم، وقد بلغ مستويات غير مسبوقة منذ إبريل 2023، حيث فاق 40% على أساس سنوي، وزاد إلى 41% في يونيو الماضي، علما أن القطاع العقاري يشكل نحو 23% من الناتج المحلي.
وإلى جانب القاع العقاري، تأتي تجارة السيارات التي باتت تتمسك بالدولار، كونه العملة التي يجري الاستيراد بها أو شراء مكونات الإنتاج لمصانع التجميع وغيرها.
كما أن قطاع الغذاء والأدوية يعاني أيضا من نقص الدولار، الذي أثر على مستلزمات الإنتاج وأدى لتعطل خطوط الإنتاج، ورفع الأسعار بصورة جنونية.
الضرائب تلهب المنتجين
ولجأت شركات الخدمات والتسويق والتجارة الإلكترونية الدولية إلى رفع أسعارها مقومة بالدولار، عقب إلزامها بدفع ضريبة القيمة المضافة على تطبيقات التجارة الإلكترونية، اعتبارا من يوليو الماضي، بنسبة 14% عن الخدمات أو السلع التي تقدمها لمستفيدين داخل البلاد.
تتوقع وزارة مالية الانقلاب أن تصل قيمة الضريبة على تلك المنتجات إلى 1.5 مليار جنيه خلال العام المالي الجاري 2023- 2024.
ووفق خبراء، فإن دولرة الاقتصاد، تعد أكبر الكوارث الاقتصادية على الإطلاق، مطالبين بمنح شركات الصرافة في التعامل ببيع وشراء الدولار والعملات الصعبة، بما يمكنها من جذب الأموال المخزنة في البيوت، ويوفرها للمصانع والجهات الحكومية الباحثة عن العملة الصعبة.
ومع استمرار الفشل الحكومي بإدارة الملف الاقتصادي، وعسكرة الاقتصاد وسيطرة قرارات العسكر على الحياة الاقتصادية، فإن المستثمرين يهربون من مصر، فيما تغلق المصانع أبوابها، ومن ثم تتفاقم أزمات الأسعار والإنتاج، وهو ما يشل الحياة العامة بمصر، ويقود البلاد نحو احتمالات الفوضى الشعبية العارمة.