قبل الانقلاب بأيام التقيت أحد أفراد (x إخوان)، كان يدعو بحرارة إلى انتخابات رئاسية مبكرة؛ فقلت له: إن هذه وصفة لتدمير البلاد وتدمير أي معنى للديمقراطية؛ قال: كيف؟ قلت: إنكم بذلك تبتدعون بدعة تسمح لكل حزب أو تيار أن يطالب بذات المطالب مع أي رئيس قادم، يعرقلونه وينشرون الفوضى من أجل إسقاطه ثم يطالبون بانتخابات رئاسية مبكرة؛ فإذا تم السماح بذلك فإن خصوم الرئيس المقبل سيمضون على نفس الأجندة، ويطالبون بعد سنة واحدة بانتخابات رئاسية مبكرة؛ فهل يكون من حقكم رفض ذلك؟!
وأضفت: بهذا السيناريو، لن يبقى لمصر رئيس يمكن أن يكمل مدته الدستورية. أنتم بذلك تنسفون أي معنى للديمقراطية؛ بل تنسفون الأسس والقواعد التي يقوم عليها النظام الديمقراطي؛ لأن النظم الديمقراطية تلجأ إلى الانتخابات المبكرة في ثلاث حالات فقط:
- الأولى أن يموت الرئيس وبذلك يتعين إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وبعض النظم تلزم بوجود نائب للرئيس يمارس سلطات الرئيس حتى نهاية مدته الدستورية لعدم اللجوء إلى انتخابات مبكرة من الأساس.
- الثانية، هي توافق النظام والمعارضة على ذلك.
- الثالثة، أن يتنازل الرئيس من تلقاء نفسه ويدعو لانتخابات رئاسية مبكرة لأي سبب من الأسباب. قد يكون لسبب مرضي، أو سياسي. كما فعل الرئيس أردوغان في الانتخابات الرئاسية 2018م، فقد قدمها عاما كاملا. لم يقتنع صاحبنا بهذا الكلام، ومضى مكابرا عنيدا يدعم سيناريو الدولة العميقة دون وعي؛ كرها في الإخوان، حتى مكَّن هو وأمثاله بوم العسكر من اختطاف الدولة ونسف الديمقراطية وسحق الثورة والإخوان، وجميع القوى السياسية. ومنذ ذلك الحين لا تزال مصر معلقة في أقدام بوم العسكر يطيرون بها نحو الهلاك المحتوم. أما صاحبنا فعاد لاحقا يبدي أشد الندم.
الدرس الكبير والوحيد من هذه التجربة أن الكنز الذي يستحق التقديس إلى جانب (القيم الإيمانية الثابتة) هو حماية نظامها الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة وفق الأدوات الدستورية والديمقراطية دون تهميش أو إقصاء أو تزييف. فهذا عين ما يتفق مع مقاصد الشورى في الإسلام والتي تعلي من قيمة الأمة بوصفها صانعة القرار ومصدر التفويض للحكام ومنحهم الشرعية ابتداء والتي تكتمل بالتزامهم بقيم الإسلام وأحكامه والحفاظ على هوية الأمة ومصالح العباد.
الالتزام بهذه القواعد الديمقراطية هو الذي دفع الرئيس الشهيد محمد مرسي إلى رفض فكرة الانتخابات الرئاسية المبكرة التي طالبت بها المعارضة العلمانية قبل الانقلاب؛ فقد ذهبت تقديرات الموقف للرئيس الشهيد ومن حوله وقتها إلى أن القبول بالانتخابات المبكرة يمثل زعزعة لاستقرار البلاد وسابقة تسمح لكل معارضة أن تطالب بانتخابات رئاسية مبكرة بعد شهور من انتخابات كل رئيس وهو ما يعني عمليا عدم استكمال أي رئيس مدته الدستورية والأكثر خطورة أنه ينسف القواعد الصلبة للنظام السياسي والديمقراطي الوليد. فماذا إذا أجرينا الانتخابات المبكرة وفاز الرئيس مرسي مرة أخرى؟ فهل ستسلم هذه المعارضة بنتائج الديمقراطية أم ستظل تثير الفوضى وتطالب بعد عدة شهور بانتخابات رئاسية مبكرة جديدة؟ وإذا فاز مرشح آخر فهل من حق الإخوان وأنصارهم أن يضغطوا لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة لرفضهم مساره وسياساته كما فعل العلمانيون من قبل؟ كانت الإجابة على هذه الأسئلة حاسمة في رفض مطالب المعارضة العلمانية التي اتضح لاحقا أنها كانت مجرد ستار استغله الجيش للانقلاب على المسار الديمقراطي كله وإعادة احتلال البلاد بالوكالة عن الكفلاء في الخارج (الولايات المتحدة الأمريكية ـ إسرائيل ـ الإتحاد الأوروبي ــ الخليج). رغم ذلك فإن إعادة تفكيك المشهد وتحليله يمثل ضرورة كبرى في معركة الوعي للمحطات القادمة.
على الرغم من ذلك، فإن الرئيس مرسي رحمه الله عندما أدرك حجم المؤامرة، قبل بهذه البدعة (انتخابات رئاسية مبكرة) على مضض بحسب وزير الشئون القانونية والبرلمانية حكومة هشام قنديل الدكتور محمد محسوب، الذي كشف سنة 2016م، نقلا عن الدكتور سعد الكتاتني رئيس البرلمان المعتقل حاليا منذ الانقلاب، أن مرسي قبل بالمبدأ الذي قدمه السيسي، خلال اجتماع القوات المسلحة ببعض ممثلي الأحزاب في 2 يوليو 2013م. وحسب الوزير الأسبق، ذكر الدكتور الكتاتني استعداد مرسي للدعوة لانتخابات مبكرة، لكن السيسي اشترط حينها أن تجري خلال 15 يوما، وهو ما يعني فراغا في السلطة الذي لن يشغله سوى الجنرال نفسه وسيتحكم في نتائج أي انتخابات تجري في ظل سيطرته. وقال عبر "فيسبوك": "كان رأي الرئيس أن تأتي الانتخابات الرئاسية بعد البرلمانية مباشرة.. بحيث تجري الانتخابات الرئاسية بظل حكومة منحها البرلمان الثقة، وبرلمان اختاره الشعب.. وأن ذلك لا يحتاج لأكثر من ثلاث أشهر". لكن السيسي رفض لأن السيناريو المرسوم من رعاة الانقلاب (إسرائيل ــ أمريكا ــ الخليج) ينطوي على إلغاء الديمقراطية في مصر وتهميش الهوية الإسلامية باستئصال الإخوان والقضاء على أي تأثير لهم في المجتمع المصري؛ فالمشهد الإقليمي مصمم من جانب القوى الغربية على مقاس الحكم العسكري الاستبدادي مع الإصرار على حرمان الشعوب العربية من الإسلام والديمقراطية لذلك يفرضون العلمانية والطغيان بأدوات العنف والظلم والإرهاب.
اليوم نحن على شفا مرحلة جديدة لأن الوضع القائم لن يستمر؛ فسقوطه حتمي، ونظام السيسي في غرفة الإنعاش، وأجهزته تترقب في حذر لإدراكها أن التغيير قادم لا محالة؛ لذلك يتوجب علينا أن ندرس التجربة بعناية وتدقيق حتى نستفيد في قادم الأيام والتجارب، وألا نلدغ من جحر العسكر مرة أخرى.