رفعت المخابز الخاصة بمصر أسعار الخبز بنسب تراوحت بين تراوحت بين 25% و33%، وبررت ذلك بارتفاع أسعار الدقيق (الطحين) المورد إليها؛ حيث وصل سعر الرغيف البلدي الصغير، وزن 60 غراما، إلى 1.25 جنيه مقابل جنيه واحد، والمتوسط وزن 90 غراما من 1.5 جنيه إلى جنيهين، والكبير وزن 110 غرامات من 2.5 جنيه إلى 3 جنيهات، كما لجأت المخابز إلى تصغير رغيف الخبز "الفينو" المخصص لعمل الساندوتشات، للمحافظة على سعر القطعة التي تباع بجنيه واحد، بينما يتقلص حجمه للمرة الرابعة على التوالي خلال العام الحالي؛ وهو ما يفاقم الأعباء المعيشية لملايين المواطنين، بعدما جرى شطب نحو 40 مليون شخص من بطاقات الدعم في وقت تتصاعد معدلات الفقر بفعل الغلاء المستعر الناجم عن تهاوي العملة الوطنية أمام الدولار.
وتنقل صحيفة "العربي الجديد" عن أصحاب مخابز قولهم إن أثمان الدقيق شهدت ارتفاعات متتالية؛ حيث زاد طن الدقيق بنحو 2400 جنيه دفعة واحدة، ليصل متوسط سعر التوريد من المطاحن إلى 24600 جنيه للطن (797 دولارا)، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف الزيوت والزبدة المستوردة، والسمن المهدرج، بنسب تصل إلى 20%، منتصف أغسطس الجاري، لافتين إلى تلقيهم تحذيرات من الموردين بمزيد من الارتفاعات خلال الأسبوعين القادمين، مع بداية موسم المدارس. ويبرر موردو الدقيق زيادة الأسعار بارتفاع أسعار البيع في بورصة القمح المحلية، لتوازي المستويات العالمية، مؤكدين ارتفاع سعر طن القمح من 9750 جنيها للطن إلى 12 ألف جنيه (388.5 دولارا)، ما أثر على زيادة سعر توريد الدقيق والردة (نخالة الدقيق المستخدمة في صناعة الخبز) بنفس المعدلات.
وتعد مصر من أكبر مشتري القمح في العالم، وزادت حدة احتياجاتها، مع ندرة النقد الأجنبي وارتباك سلاسل التوريد مع اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا، وعدم قدرة الحكومة على الحصول على تمويل من مؤسسات مالية، لشراء القمح، دفعها إلى شراء القمح المنتج محلياً من شركات إماراتية بالدولار عبر قرض قيمته 500 مليون دولار. وتصل احتياجات مصر من القمح خلال العام المالي الجاري 2023/2024 إلى 20.5 مليون طن، وفقا لتقديرات مركز المعلومات بمجلس الوزراء بينما يمثل الإنتاج المحلي أقل من 50% من احتياجات البلاد. وتنتج وزارة التموين نحو 100 مليار رغيف سنوياً، بمعدل 275 مليون رغيف يومياً، يباع بسعر 5 قروش، للمستفيدين من بطاقة الدعم التمويني، البالغ عددهم 64 مليون شخص من بين 105 ملايين نسمة يمثلون تعداد السكان العام الجاري.
وسجلت واردات مصر من القمح خلال الشهر الـ11 الأولى من 2022 نحو 3.9 مليارات دولار، مقابل 3.1 مليارات دولار خلال الفترة نفسها من 2021، وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. وتوقع تقرير لوزارة الزراعة الأميركية أن يبلغ حجم واردات مصر من القمح في الموسم المقبل 2023/ 2024 نحو 11.9 مليون طن، فيما يبلغ الإنتاج المتوقع حوالى 10.8 ملايين طن، والاستهلاك نحو 22.6 مليون طن.
«4» مؤشرات مزعجة
ويرصد الخبير والمحلل الاقتصادي مصطفى عبدالسلام "4" مؤشرات مزعجة للمصريين وكل الدول الفقيرة التي تعتمد على الخارج في تموين أسواقها المحلية سواء من الحبوب والسلع الغذائية والبضائع، أو من مشتقات البترول من بنزين وسولار وغاز.
المؤشر الأول يتعلق بتوقعات زيادة أسعار النفط لتعود مرة أخرى لثلاثة أرقام، أي ما يزيد عن 100 دولار، في ظل شح محتمل للإمدادات وتراجع المعروض النفطي في الأسواق مع تحركات تحالف "أوبك+" الأخيرة، وقيام كبار المنتجين مثل السعودية وروسيا والإمارات بالخفض الطوعي للإنتاج، ونمو أكبر من المتوقع في الطلب على النفط خلال الفترة المقبلة، بالتزامن مع زيادة استهلاك الصين، خلال الأشهر الماضية. يترتب على تلك الزيادة ارتفاع في أسعار المشتقات البترولية، وهو ما يؤدي لارتفاع فاتورة استهلاك البنزين والسولار والمازوت وغيره. هذا الارتفاع يقود لزيادة معدل التضخم وتكلفة المعيشة.
المؤشر الثاني، يتعلق بأسعار الغاز الطبيعي، حيث يواكب الزيادة في أسعار النفط حدوث قفزات حالية في أسعار الغاز حول العالم، وهو ما لمسناه خلال الفترة الماضية خاصة عقب الإعلان عن الإضراب المحتمل الذي قد تشهده كبريات شركات الغاز الطبيعي في أستراليا والتي تزود العالم بنحو 10% من استهلاكها من الوقود الأزرق.
المؤشر الثالث، يتعلق بالأمن الغذائي، وتوقعات المحللين بحدوث "صدمة غذائية" بسبب زيادة أسعار المواد الغذائية الرئيسية حول العالم وفي مقدمتها القمح والذرة والشعير والأرز، وذلك على خلفية تطورات عدة منها توقعات بتراجع إنتاج وصادرات الصين من الأرز مع موسم الفيضانات، علما بأن الصين أكبر منتج لهذه السلعة الغذائية حول العالم، وحظر الهند تصدير الأرز فيما عدا بسمتي، علما بأن الهند هي أكبر مصدر للسلعة التي تعتبر عنصرا غذائيا أساسيا لأكثر من 3 مليارات شخص في العالم حاليا، ومن المتوقع أن يستمر الحظر الهندي حتى موعد الانتخابات المقبلة. وبالنسبة للحبوب الأخرى وفي مقدمتها القمح فإن أسواق الحبوب تعيش على أعصابها منذ رفض روسيا تجديد اتفاقية الحبوب ومنع تصدير القمح الأوكراني مع استخدام القوة المفرطة في ذلك مثل استهداف سفن شحن القمح في ميناء أوديسا وغيره من الموانئ الواقعة على البحر الأسود، والتهديد بضرب أي سفينة، وما رأيناه يوم الأربعاء.
المؤشر الرابع، هو استمرار أسعار الفائدة العالية على العملات الرئيسية وفي مقدمتها الدولار واليورو والجنيه الإسترليني، ورغم وجود توقعات بتوقف البنوك المركزية عن إجراء رفع جديد في سعر الفائدة خاصة مع تراجع معدل التضخم، إلا أن خفض الفائدة لن يكون سريعا؛ وبالتالي فإن عودة تلك الدول للأسواق الدولية للحصول على قروض جديدة بأسعار فائدة معقولة لن يكون مطروحا، وستظل كلفة الاقتراض الخارجي عالية بعض الوقت، وهو ما يضغط على العملات المحلية والاحتياطيات النقدية داخل تلك الدول.
ويرى عبدالسلام أن هذه المؤشرات وغيرها يجب أن تضعها حكومات الدول الفقيرة نصب أعينها في الفترة المقبلة، لأنها تعني زيادة كلفة واردات الأغذية والوقود وغيرها من الواردات ومدخلات الإنتاج، وبالتالي زيادة الأعباء على موازنة الدولة. وما لم تكن الدولة تملك النقد الأجنبي الكافي لتمويل كلفة الواردات فإنها إما تلجأ للحصول على مزيد من القروض الخارجية، أو أن تترك أسواقها المحلية نهبا للغلاء والاحتكارات والتعويم، والضحية في النهاية هي المواطن الذي لا يجد من يحنو عليه داخليا وخارجيا.