لعل التخاذل السياسي والعسكري الكبير لمصر على يد الصهاينة، سيبقى عالقا في أذهان التاريخ الإنساني وصانعيه لقرون عديدة، وهم يتذكرون العجز المصري والموقف الباهت لنظام السيسي من الحرب على غزة، وتقزم الدور المصري.
وعلى الرغم من أن عملية طوفان الأقصى، قد كشفت مدى الضعف والتهاوي الصهيوني أمام 1000 مقاوم فلسطيني، نجحوا في قلب معادلات القوة بالمنطقة، ووصلوا إلى عقر معسكرات الصهاينة، وشلوا حركتهم وأسلحتهم الفتاكة، إلا أن مصر بجيشها الأكبر والأحدث بالمنطقة العربية، والنظام الذي يقوده المنقلب السيسي، ظهر وكأنه نعامة تابع لإسرائيل، دون أن تتكلم شفاه بكلمة تعبر عن موقف مصر الحقيقي تجاه الشعب الفلسطيني، بل تعدت إسرائيل على حدود مصر وقصفت معبر رفح ثلاث مرات، على الحدود المصرية، وقبلت بتهديد إسرائيل لها بقصف أي شاحنة مصرية تدخل بمساعدات إلى قطاع غزة، وهو ما يتصادم مع القانون الدولي، الذي يحفظ للفلسطينيين إمدادهم بالمواد الغذائية والصحية والوقود وغيره، إلا أن مشهد عودة الشاحنات المصرية من الحدود كان مخزيا لكل المصريين وجيش مصر.
وأدى القصف الصهيوني لمعبر رفح ليومين متتاليين ، ثلاث مرات، الاثنين والثلاثاء الماضيين، إلى قطع الطريق بين الجانبين وتوقف العمل في المنفذ الحدودي الوحيد بين سكان غزة والعالم الخارجي.
يأتي استمرار قصف المعبر الحدودي بعيد دعوة جيش الاحتلال لسكان قطاع غزة إلى الفرار باتجاه مصر مع استمرار الحشد العسكري على تخوم القطاع المحاصر تمهيدا لاجتياح بري محتمل مع استمرار القصف الإسرائيلي دون توقف على الأحياء والمدن بشكل مكثف وقطع جميع الخدمات.
وذكرت قناة 12 العبرية، الثلاثاء، أن الاحتلال الإسرائيلي هدد مصر بضرب أي شاحنات تحمل مساعدات وبضائع تحاول الوصول إلى قطاع غزة، ولم يصدر أي تعليق مصري رسمي على تلك التهديدات حتى الآن.
وكانت إسرائيل قد رفضت وساطة مصرية مع المقاومة الفلسطينية، وذلك على الرغم من مطالبة السيسي للمقاومة بالتخلي عن الأسرى الإسرئيليين بداعي الظروف الإنسانية، في الوقت الذي تدك فيه إسرائيل بيوت الفلسطينيين ضمن استهداف إبادة غزة وتهجير سكانها.
فيما حذرت مصادر مصرية رفيعة المستوى، الإثنين، من دفع الفلسطينيين العزل تجاه الحدود المصرية وتغذية بعض الأطراف لدعوات بالنزوح الجماعي، مشيرة إلى أن مصر لم تتوان منذ تفاقم الأوضاع وكثفت اتصالاتها بالأطراف الدولية لوقف التصعيد وحقن دماء الفلسطينيين.
وحذرت المصادر المصرية في تصريحات نقلتها قناة القاهرة الإخبارية، المحسوبة على السلطات المصرية، من خطورة الموقف وتداعياته على ثوابت القضية الفلسطينية، معتبرة أن دعوات النزوح كفيلة بتفريغ قطاع غزة من سكانه وتصفية القضية الفلسطينية ذاتها.
وردا على محاولة الدفع بسكان غزة تجاه مصر وإزالة معبر رفح الحدودي لتهيئة الأجواء أمام الراغبين في الفرار، شددت المصادر المصرية في تصريحات نادرة على أن السيادة المصرية ليست مستباحة، وسلطة الاحتلال مسؤولة عن إيجاد ممرات إنسانية لنجدة شعب غزة.
ينذر هذا التوجه الإسرائيلي، بحسب مراقبين، بتوسيع دائرة الصراع، وتحويل الوسيط المصري إلى طرف في الصراع مع دولة الاحتلال في ظل رفض مصري قاطع لمحاولة تفريغ قطاع غزة.
والغريب أن الرئاسة المصرية أو متحدثيها الرسميين لم يعلنوا أي موقف رسمي رافض للممارسات الإسرائيلية، بل إن الصحافة الإسرائيلية في إطار تحليلها للخيبة الكبيرة التي منيت بها إسرائيل، كشفت عن اتصالات استخباراتية بين رئيس المخابرات المصرية عباس كامل، مع القيادات المخابراتية الإسرائيلية، أكدت أن هناك حدثا كبيرا يعد في غزة ضد إسرائيل، إلا أن إدارة نتنياهو لم تأخذ تحذيرات المخابرات المصرية بجد.
هذا الاتصال يمثل خيانة كبيرة للفلسطينيين، الذين يثقون في مصر ومخابراتها على مر العصور، ولكن نظام السيسي يقدم مصالح إسرائيل على غيرها، فخرجت المصدر الأمنية والمخابرات، لتقول إن كشفها تلك المعلومات لإسرائيل، كان هدفه دفع إسرائيل لوقف سياساتها العدوانية تجاه غزة والمسجد الأقصى.
وعلى رغم الخيانة المصرية والانبطاح أمام الصهاينة، إلا أن إسرائيل وأمريكا يستهدفون مصر، بأن توفر لسكان غزة المقاومين وطنا بديلا في سيناء، لذلك تقذف المقاتلات الصهيونية الجوية أحزمة نارية متعددة ضد سكان المدن في غزة لتهجيرهم نحو مصر.
فيما توقع مراقبون أن يحدث فرار جماعي من سكان غزة تحت تأثير النيران والطائرات التي تقصف القطاع ليل نهار، ويمكن أن يتم اقتحام الحدود من قبل الفارين من غزة من أي نقطة على طول الحدود المصرية، أما فكرة تهجير سكان غزة إلى سيناء هي فكرة قديمة متجددة يدفع بها الإسرائيليون وحلفاؤهم منذ فترة بعيدة حتى قبل مجيء هذا النظام.
وقف إمدادات الغاز
وفي السياق، وفي قرار له تأثيراته المحلية والإقليمية والدولية، تلقت شركة “شيفرون” الأمريكية، تعليمات من إسرائيل بإيقاف إنتاج الغاز الطبيعي في منصة “تمارا”، الحقل البحري الواقع على بعد 24 كيلومترا غرب عسقلان، شمال قطاع غزة، بحسب “الشرق بلومبيرغ“.
القرار الأخير، تسبب في تراجع صادرات إسرائيل من الغاز إلى مصر بنحو 19 %، حيث أبلغت تل أبيب القاهرة بقرارها المؤقت، وهو ما يؤثر على مصر التي أصبحت بحاجة لهذه الواردات بعد تناقص إنتاجها من حقولها المحلية من الغاز مؤخرا.
وفي 24 أغسطس الماضي، عقدت مصر مع الكيان الإسرائيلي المحتل اتفاقية جديدة لاستيراد مزيد من الغاز الطبيعي، من حقل “تمارا” بالبحر المتوسط، بنحو 3.5 مليارات متر مكعب سنويا لمدة 11 عاما تقريبا، بإجمالي 38.7 مليار متر مكعب.
وهي الاتفاقية التي تأتي بعد 5 أعوام ونصف من اتفاقية فبراير 2018، بين شركة “دولفينوس” المصرية للطاقة ومجموعة “دلك” الإسرائيلية للطاقة لتصدير الغاز الطبيعي لمصر بقيمة 15 مليار دولار لبيع 7.2 بلايين متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويا، مدة 15 عاما، بقيمة مالية أعلى من السوق العالمية.
وتبيع إسرائيل حاليا نحو 4.6 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويا إلى مصر، التي تصدر بعد ذلك جزءا منه إلى أوروبا من خلال منشآت إسالة الغاز الطبيعي وتستخدم الجزء المتبقي للاستهلاك المحلي.
وفي أول تعليق مصري، قال مسؤول لـ”سي إن إن الاقتصادية”، إن “وقف إمدادات الغاز من حقل تمارا، يؤثر على خطط مصر لاستئناف تصديرها للغاز المسال، والتي كان من المقرر تطبيقها خلال الشهر الحالي”.
وتمثل تلك السياسات ضغوطا واسعة على مصر، التي باتت تعاني من التقزم السياسي والاقتصادي في مواجهة إسرائيل.