مع إعلان حكومة السيسي عن وثيقة التوجهات الاستراتيجية للاقتصاد المصري، حتى 2030، وما تضمنته من أفكار للحصول على الدولار، الذي يشح وجوده بمصر، وهو ما يفاقم الأزمة الاقتصادية الحالية للبلاد، وهو ما تضمن الاتجاه نحو توريق العوائد الدولارية، أي إصدار صكوكك وسندات دين بضمان الأصول التي تدر عوائد دولارية، والتي تنحصر في أربعة مصادر، هي قناة السويس والتصدير والسياحة وتحويلات المصريين بالخارج.
وتعتبر قناة السويس هي الأصل الوحيد الثابت الذي يمكن إصدار سندات وصكوك دين بضمانه، إذ إن المصادر الثلاثة الأخرى غير مستقرة ومتناقصة، وفق الإحصاءات الأخيرة، في ظل الحرب الإسرائيلية على غزة.
ووفق الخبير الاقتصادي والوزير السابق، زياد بهاء الدين، فإن عملية التوريق مجرد إصدار صكوك وسندات دين جديدة، لسداد ديون قائمة حل موعد سدادها، وهي لا تحرك الاقتصاد للأمام، بل تعالج التشوهات القائمة، وهو نهج خطير رفضه كل الوطنيين منذ القدم، إذ إن يسمح للحكم القائم بنهب أموال الدولة الحالية والمستقبلية، ومصادرة حق الأجيال المستقبلية، وحرمان موازنات السنوات القادمة من مصادر الدخل، وهو ما يفاقم العجز في الموازنة، ويزيد الديون ديونا أخرى.
ومع مطلع العام 2024 ، تزايدت التحديات الاقتصادية والمالية بمصر، خاصة على صعيد سداد الديون الخارجية، إذ يتوجب على الدولة التي تعاني اقتصاديا منذ سنوات، سداد نحو 42.3 مليار دولار خلال هذا العام فقط، وفقا لأحدث تقارير البنك المركزي المصري، في وقت تعاني من عجز شديد في الاحتياطي النقدي الأجنبي الذي لا تتخطى حصيلته حاليا 35.219 مليار دولار فقط، معظمه من الودائع الخليجية التي يجري تجديدها من الدول المودعة لها السعودية والإمارات وقطر، ويفترض بهذا الاحتياطي تلبية احتياجات الدولة من الواردات، وسداد التزاماتها الخارجية من الديون والفوائد، في ظل ظروف إقليمية ومحلية تفرض تناقصا في العوائد الدولارية التي كانت مصر تعدها دائما مضمونة كتحويلات المصريين العاملين بالخارج ودخل قناة السويس.
ويوم 6 يناير الجاري، أصدر مجلس الوزراء ، تقريرا بعنوان: “أبرز التوجهات الاستراتيجية للاقتصاد المصري للفترة الرئاسية الجديدة 2024/2030” متضمنا 5 توجهات استراتيجية تستهدف تحقيق استقرار الاقتصاد الكلي للبلاد.
البحث عن أموال
وتضمنت محاور التوجه الاستراتيجي الثاني الذي يركز على السياسيات الاقتصادية القابلة للتوقع وتدعم استقرار الاقتصاد، محور تعزيز موارد النقد الأجنبي، الذي جاء في متنه أن استقرار الاقتصاد يعتمد بشكل كبير على زيادة المتحصلات من النقد الأجنبي في ظل التبعات السلبية التي تعرض لها الاقتصاد المصري عقب الأزمة الروسية الأوكرانية، التي أدت لخروج ما يفوق الـ20 مليار دولار من الاقتصاد المصري، هذه الأموال كانت كلها من الأموال الساخنة التي اعتمدت مصر عليها في التمويل منذ العام 2016.
ويستهدف النظام ، خلال الولاية الثالثة للسيسي، الحصول على حدود 300 مليار دولار بحلول عام 2030، بما يمثل قرابة ثلاثة أضعاف المستويات المحققة حاليا من النقد الأجنبي في مصر، من خلال عدة تدابير.
يرى خبراء أنه لن يكون من السهل على مصر إقناع الصناديق والأفراد من المستثمرين بالمغامرة بأموالهم في السندات المستقبلية فيما يتعلق بتحويلات المصريين بالخارج والتصدير والسياحة، أما قناة السويس فتعتبر الأصل الثابت الأكثر استقرارا الذي يمكن المراهنة عليه.
ومع نشر الوثيقة الاقتصادية، بدأت الجهات الحكومية دراسة توريق نسبة من العائدات الدولارية المتوقعة، تتراوح بين (20-25%)، وإصدار سندات مقابلها تُباع إلى بنوك استثمار ومستثمرين دوليين بالعملة الأجنبية وفق ثلاثة سيناريوهات بعائدات تراوح بين 1.4 و 10.1 مليار دولار سنويا، المقترح ذاته دراسة التوريق، ظهر ضمن الخطوات الواردة في الوثيقة عند نشر نصها.
مغامرة اقتصادية
وتفاوتت ردود فعل خبراء الاقتصاد حول فكرة توريق العوائد الدولارية.
فمصر يأتيها الدولار من أربعة مصادر معروفة هي: قناة السويس، السياحة، تحويلات المصريين في الخارج والصادرات، والمصادر الثلاثة الأخيرة متغيرة، وباتت الأولى رهناً لاستقرار الأوضاع في فلسطين المحتلة، عقب الحصار الذي فرضه الحوثيون في اليمن على حاملات وناقلات البضائع والبترول المتوجهة إلى إسرائيل، والذي تبعه قيام شركات ملاحة عالمية بإعادة توجيه ناقلاتها بعيدًا عن طريق قناة السويس.
ويرى خبراء أنه لن يكون من السهل على مصر إقناع الصناديق والأفراد من المستثمرين بالمغامرة بأموالهم في تلك السندات المستقبلية، وتحديدا فيما يتعلق بتحويلات المصريين بالخارج والتصدير والسياحة، أما قناة السويس فتعتبر الأصل الثابت الأكثر استقرارا الذي يمكن المراهنة عليه، ومن هنا جاء اختلاف الخبراء بين تأييد المقترح ورفضه.
الخوف من الإفلاس
ويرى الطرف المؤيد أن مصر هذا العام، تقف أمام ديون ليس في إمكانها سدادها في وضعها الاقتصادي الحالي، وأنه لا بد من التفكير في حلول غير تقليدية للخروج من هذه الأزمة في ظل ما يتردد عن رفض القيادة السياسية التفاوض على إعادة الجدولة..
دخول شريك أجنبي بقناة السويس،
أما الطرف المعارض فيرى أن قناة السويس لها مكانة خاصة لدى المصريين ولا يمكن تعريضها لمخاطر دخول شريك أجنبي في ملكيتها حال بيع العوائد وعدم تمكن الدولة من السداد، كما أن بيع العوائد المستقبلية يعني توريث الديون للأجيال القادمة وتخييرهم بين السداد وفقدان الأصول، خاصة أن إجمالي الديون المصرية السيادية لمصلحة أطراف أجنبية يصل مجموعها حاليا إلى 165.3 مليار دولار، وهو رقم مرشح للزيادة.
يشار إلى أنه في العام 2022/2023، بلغت إيرادات قناة السويس 9.4 مليار دولار، وهو الرقم الأعلى في تاريخها، وبالتالي فإن نسبة الـ25% من العائد المرشح للتوريق، يقترب من الـ2.5 مليار دولار عن العام، وعلى سبيل المثال، إذا كانت مدة التوريق 5 سنوات، فإن إجمالي المتحصلات سيصل إلى 12.5 مليار دولار فقط
توريق عوائد الأصول
ووفق الخبير الاقتصادي ورئيس المركز المصري للدراسات الاقتصادية، رشاد عبده، معنى “توريق عائدات الأصول” تحويل الأصول التجارية إلى مالية، ومن ثم بيعها للمستثمرين، وفي تشبيه مبسط يعني رهن نسبة من عائد الأصل لفترة زمنية محددة مقابل أموال أحصلها الآن.
وتعني عملية التوريق ترحيل الديون المستحقة علينا الآن للأجيال القادمة، وتوريط الحكومة القادمة في ذنب اقترفته الحكومة الحالية، كما أن التوريق لا ينطبق في حالتنا هذه إلا على قناة السويس، التي لا يمكن التفريط فيها على حد قوله، ويوضح عملية التوريق بالضبط زي الرهن، لو ماقدرتش تسدد اللي أخدته؛ الشيء اللي رهنته هيروح عليك، يعني الأجيال الجاية هاتيجي تلاقي عليها ديون ومش عندها أصول تسدد منها، وفق تصريحات صحفية للخبير الاقتصادي.
ويتابع، هناك مخاطرة أخرى تنطوي عليها عملية التوريق، لأن تحويل الأصل إلى صكوك أو سندات، لا يشترط على المستثمر الاحتفاظ بها، بل بإمكانه إعادة بيعها لآخرين، يعني في النهاية ممكن نلاقي قناة السويس في يد دولة معادية، إسرائيل مثلا، لافتا إلى أنه حتى لو أقدمت الدولة على هذا الحل فإن المبلغ المتحصل ليس كبيرا للدرجة التي تحل أزمة الدين الخارجي البالغ 165 مليار دولار.
بينما دعا المفكر الاقتصادي جودة عبد الخالق الدولة إلى أن تسلك سبلا أخرى، لمواجهة الأزمة الاقتصادية بعيدا عن الاستدانة، من خلال جدولة ما يسمى بالمشروعات القومية، التي تصر على إكمالها بنفس الوتيرة رغم الأزمة، وخلال اجتماعات الربيع الدورية لصندوق النقد الدولي 2023، قالت كريستالينا جورجيفا: إنه “على مصر أن تبطئ من وتيرة مشروعاتها القومية الضخمة إن أرادت الخروج من أزمتها الحالية”.