على إثر الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة التي تضرب المجتمع المصري في مقتل، مع تراجع القدرة الشرائية لجميع الأسر المصرية وغلاء فاحش يضرب أسواق كافة السلع والبضائع بالبلاد، بات الجميع في حيرة وأزمة نفسية واجتماعية، حيث أصبحت الأعباء أكبر من القدرات المالية، المتآكلة، فما بين سد رمق الأسر وستر البيوت وتحصيل الأرزاق تزداد الهموم وتضيق فرص الكسب والعمل، وهو ما يربك الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للمصريين.
ومع عدم قدرة المواطنين على دفع ثمن الثورة في وجه الحكام الفاشلين بتوفير أساسيات حياة المواطنين، بات المصريون بين شقي رحى الاستغناء عن شراء السلع أو الاحتيال لتوفيرها بطرق صعبة، ورغم اختلاف الخيارات، المصير واحد وهو انهيار القدرات الصحية وتفشي الأمراض الناجمة عن سوء التغذية والفقر الغذائي المتصاعد.
الاستغناء عن سلع أساسية
واضطر الفقر ونقص الأموال المصريين وخاصة أبناء الطبقة الوسطى والفقيرة، لاستغناء عن أنواع معينة والبحث عن بدائل أقل تكلفة، أو ربما التفكير في العودة إلى طرق تخزين الأطعمة وتجميدها للاستفادة منها في المستقبل.
وأرهقت الارتفاعات المتتالية في أسعار السلع الأساسية ميزانيات غالبية المصريين، ما زاد تحديات حياتهم اليومية ودفعهم إلى ابتكار حِيَل للتعامل مع الأزمة الاقتصادية، ومواجهة ارتفاع الأسعار، وتدهور القدرة الشرائية من أجل الحفاظ على استدامة العيش وتلبية الاحتياجات الأساسية لأسرهم.
وتواجه مصر ارتباكا في الأسواق جراء انفلات الأسعار بصورة غير مسبوقة بتأثير تفاقم الأزمة الاقتصادية المرتبطة بنقص العملات الأجنبية وزيادة التضخم وسط حديث عن سعي جديد لخفض جديد لقيمة الجنيه المصري مقابل الدولار.
وقفزت أسعار سلع كثيرة بنسب تراوحت بين 15 و35 % بعدما سجل سعر الدولار في السوق الموازية أسعارا قياسية وصولا إلى 70 جنيها خلال الأسابيع الأخيرة، قبل أن يتراجع قليلاً في الأيام الأخيرة.
الملابس القديمة
وعلى صعيد غلاء الملابس الجنوني، لجأ كثير من الشباب والأسر لإصلاح ملابسها القديمة والاستعانة بها خلال الفترة المقبلة كونها لا تستطيع شراء ملابس جديدة لها ولأولادها، كما انتعشت أسواق البالة، في وسط القاهرة وميادين القاهرة والجيزة بصورة أساسية، وباتت محال الملابس الجديدة شبه فارغة.
الاستغناء عن الشراء
وبات الاستغناء عن بعض الاحتياجات هو شعار المرحلة المقبلة بعدما ألقت الأزمة الاقتصادية وارتفاع أسعار السلع الأساسية بظلالهما على الجميع.
ووفق شهود عيان، فإن بعض الأسر استغنت عن شراء الدجاج بسبب ارتفاع سعر الكيلوجرام إلى أكثر من 100 جنيه، ولجأت إلى شراء هياكل الدجاج والأجنحة التي كان يُتخلص منها في السابق، أو تباع لإطعام الكلاب والقطط، وهي عبارة عن عظام تتضمن بعض اللحم البسيط.
وبات كثيرون يبحثون عن بدائل غذائية أقل تكلفة بينها النباتات الغنية بالبروتين مثل العدس، والتي تعتبر أكثر اقتصادية ومتاحة بسهولة في الأسواق، كما أن “عددا من الأهالي يحتالون لشراء الأسماك بأسعار أقل عبر نزع البطارخ البيض المتجمع داخل جسم السمكة وينتج ما يسمى الكافيار الذي يعد طعام الأغنياء بسبب ارتفاع سعره، وأيضا من خلال الانتظار حتى حلول الليل لشراء باقي الأسماك المعروضة للبيع على مدار اليوم، والتي يُطلق عليه البائعون اسم التشكيلة.
بل بات بعض المواطنين يعتمدون على صنع منتجاتهم الغذائية الأساسية، مثل الأجبان والمربى والعصائر والألبان والسمن والصابون وغيرها في المنزل، ما يوفر بعض المال لهم بدلا من شرائها جاهزة من المتاجر.
وفي بعض المناطق تلجأ أسر إلى البحث عن منتجات غير مكلفة لتلبية احتياجاتهم، والتي قد تتوافر في المزارع مثلا قبل طرحها في الأسواق، كما تحاول الكثير من الأسر تقليل الإنفاق غير الضروري من أجل توفير مال وتحقيق توازن بين العائدات والمصاريف.
حيلة “تقاسم الأقفاص”
وفي مناطق عدة بمحافظات مصر، انتشرت مظاهر الشراء المجمع، ففي أسواق بيع الخضار والفواكه بالجملة تنتشر حيلة تقاسم بين 3 و5 زبائن عبوة كبيرة الحجم من صنف معيّن قد يصل وزنها إلى 50 كيلوجراما من أجل توفير فارق السعر الذي يجنيه بائع التجزئة، ويفعل الأمر ذاته جيران وأقارب في المناطق الفقيرة، إذ يتعاون أفراد يسكنون في منازل مجاورة لتوفير السلع الأساسية بأسعار معقولة وتقليل التكاليف الإضافية، وذلك عبر شراء كميات كبيرة من المواد الغذائية والسلع لتقسيمها، فالشراء الجماعي يعزز فرص الحصول على تخفيضات بالأسعار.
ليس حلا نهائيا
ووفق الدراسات الاجتماعية والنفسية ، فإن البدائل ليست حلا نهائيا لمشكلة ارتفاع أسعار السلع الأساسية، إذ تمثل خطوات صغيرة يمكن اتخاذها للتعامل مع هذه الأزمة، وتعكس في الوقت ذاته روح الابتكار والتكيّف والتماسك الاجتماعي التي يتمتع بها الشعب المصري في مواجهة التحديات الاقتصادية، والقدرة على تحقيق الاستدامة والمرونة في ظل الضغوط الاقتصادية.
إلا أن تلك البدئل تظل تضغط على الأسر وتبعد المسئولية في كثير من الأحيان عن كاهل المسئولين عن الأزمة بالأساس، وهو ما يجب أن ينتبه له المصريون.
إذ إن البدائل، وتغيير أولويات الأسرة المصرية، إجراءات مناسبة لمواجهة الأزمات الاقتصادية على المدى القصير، وتخفيف الضغط على الميزانية الشخصية للأفراد مع ارتفاع الأسعار لكنها ترسّخ سياسة الاستغناء عن الاحتياجات، ما يحدث تغييرات في نمط حياة الطبقات الاجتماعية بالمجتمع، وتدمر الصحة والمناعة وترهق الأبدان وتصيب بالكثير من الأمراض التي تتعلق بسوء التغذية ونقص المعناصر الغذائية الأساسية.
ولعل عدم توجيه الغضب الشعبي نحو المسئول عن الأزمات المعيشية يدفع بسببه المصريون ثمنا غاليا جراء ارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية، ويجب على الحكومة والمجتمع أن يعملا معا لتوفير حلول شاملة ومستدامة لمشكلة ارتفاع الأسعار، وضمان توافر السلع الأساسية بأسعار معقولة للجميع.
وتؤكد الدراسات الاقتصادية أن الحل الأكثر استدامة يتمثل في تطوير سياسات اقتصادية شاملة تعزز الإنتاج وتحسّن الوضع الاقتصادي عموما، وهو يتطلب تعزيز الاستثمار في الزراعة والصناعة المحلية، وتوفير البيئة المناسبة لنمو الأعمال الصغيرة والمتوسطة وزيادة فرص العمل.
ويؤكد الخبير الاقتصادي ورئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية والسياسية الدكتور رشاد عبده، في تصريحات صحفية، أن الحكومة مسؤولة مباشرة عن ارتفاع أسعار السلع بشكل مبالغ فيه بسبب غياب الرقابة، وعدم إيجاد حلول عملية لاستغلال التجار، ويلفت إلى أن مصر تعاني ارتفاعا حادا في الديون الأجنبية وصولا إلى نحو 164.5 مليار دولار، وارتفاع فوائد أقساط الديون إلى 42 مليار دولار هذا العام، ويبلغ العجز بين الصادرات والواردات 40 مليار دولار، علما أن واردات البلاد من النفط والسلع الأساسية زادت بتأثير ارتفاع أسعار الشحن والتضخم السائد عالميا، ورغم ذلك لا تملك الحكومة رؤية أو خطة أو استراتيجية واضحة للتعامل مع الأزمات.
ويوضح أن معالجة الأزمة الاقتصادية يتمثل في اضطلاع الحكومة بدورها في حل المشكلات التي تواجه المستثمرين سواء أكانوا مصريين أو عربا أو أجانب، وإيجاد سعر صرف موحد للدولار أو سعر مستقر على الأقل، وأيضا في زيادة الإنتاج وتقليص الاستيراد.
وإلى أن يتحقق ذلك، يظل المصريون في معاناة مستمرة، ومستقبل أكثر ظلاما وإصابة بالأمراض والأوجاع التي تؤثر لا محالة على إنتاجية الأفراد، وتقلص الإنتاج والعمل وتصيب المجتمع بالوهن.