على الرغم من تشريع النظام في وقت سابق وإعلان الجهاز المصرفي قبول أية أموال إلى البنوك دون السؤال عن مصدرها، وهي الخطوة التي وصفت بتشريع غسيل الأموال، وهو ما ضاعف من الأزمة الاقتصادية في وقت سابق، وإنها حلحلت بعض الشيء من الأزمة الاقتصادية، إلا أنه وفي إطار التلاعب بالسوق والفشل الإداري في إدارة أزمة شح العملات الأجنبية بالبنوك، جاء قرار جديد ليضاعف الأزمة الاقتصادية في وقت تواجه به مصر صعوبات عدة.
حيث امتنعت البنوك عن قبول إيداع المستوردين مبالغ دولارية بخلاف المحصلة من عمليات تصدير، خلال اﻷيام العشرة اﻷخيرة، بعدما أتاح البنك المركزي ذلك خلال الشهور الماضية، وهو ما فاقم مشكلات الاستيراد، حسبما قالت مصادر من قطاعي الاستيراد والتصنيع في تصريحات صحفية.
وخلال الأسبوع الماضي، ترددت أنباء عن مطالبة البنك المركزي جميع البنوك بحصر الطلبات الدولارية المتراكمة لديها، لتدبير استيراد السلع الاستراتيجية والمواد الخام اللازمة للإنتاج، وهو إجراء اعتيادي يتم شهري، وغالبا لا يتبعه توفير تلك الدولارات المطلوبة.
ووفق مستوردون، فإن الهدف بالضرورة توفير الدولارات في الحال، وبحنق شديد عبر رئيس شعبة الصناعات الهندسية، محمد المهندس، عن استيائه من الوضع الحالي، موضحا في تصريحات صحفية، أن المصانع باتت تعمل بمستويات أقل كثيرا من طاقتها الإنتاجية، نتيجة صعوبات تدبير العملة واستيراد مستلزمات الإنتاج.
وسمحت البنوك، خلال الأشهر الماضية، للمستوردين باستخدام حصيلة تصديرية لسلع مختلفة عن المُراد استيرادها.
وكانت البنوك، منذ منتصف العام الماضي، أتاحت لمن لا يستطيعون تدبير حصيلة دولارية من عمليات تصدير، إيداع مبالغ دولارية شريطة أن تكون بقيمة 120% من قيمة الاعتماد المستندي.
فيما تعود نسبة الـ20% للمستورد بالجنيه وبسعر الصرف الرسمي، سمح ذلك بتغذية الطلب على الدولار في السوق السوداء، والذي أصبح قابلا للاستخدام بغرض الاستيراد، بعد أن كان مرهونا بدولارات تصديرية، ما أسهم في صعود الدولار بالسوق الموازية، ومن ناحية أخرى رفع التكلفة على المستوردين والمُصنعين، وقد ساهم هذا الإجراء في ارتفاع الأسعار.
وبينما كانت البنوك تدبر الدولار لسلع استراتيجية مثل السلع الغذائية والأدوية، بعد فرض ما يُسمى بعمولة التدبير، تتراوح ما بين 10 إلى 15% على سعر الصرف، ما يعني أنه لتدبير ألف دولار لأحد المستوردين، عليه دفع قيمتها بالجنيه بسعر الصرف الرسمي، نحو 31 ألف جنيه، تصبح ما بين 34 ألف و35.5 ألف جنيه بعد إضافة العمولة.
التراجع عن السماح باستخدام دولار غير ناتج من التصدير في عمليات الاستيراد، يتماشى مع رغبة الحكومة في خفض سعر الدولار بالسوق السوداء، بحسب محللين ومستوردين أشاروا إلى أن امتناع البنوك عن قبول دولار السوق السوداء سيوقف الطلب المتصاعد عليه من المستوردين، ما يساهم في انخفاض قيمته.
وتراجعت أسعار الصرف في الأسواق الموازية خلال الأسبوع الماضي، بعدما كسرت حاجز الـ70 جنيها للدولار، لتصل إلى حدود 55 جنيها، فيما تُسجل الآن ما بين 63 و65 جنيها.
إلا أن مراقبون للسوق المصرفي أكدوا أن التداول شبه متوقف سواء على شراء الدولار أو حتى تداول السلع، نتيجة هذا التذبذب، فضلا عن الحملات الأمنية على تجار العملة، ما أصاب السوق بالشلل، على حسب تعبيرهم.
وبلغت الفاتورة الدولارية للاستيراد في مصر خلال العام المالي الماضي، نحو 70.7 مليار دولار، أقل بنحو 17 مليار دولار مقارنة بالعام الأسبق، في المقابل تُقدر حصيلة الصادرات بنحو 39.6 مليار دولار، بانكماش بأكثر من 5 مليارات دولار مقارنة بالعام الأسبق، بحسب بيانات التجارة الخارجية الصادرة عن «المركزي».
ولعل تضارب السياسات المصرفية المتخذة من قبل الحكومة تفاقم الأزمة الاقتصادية بالبلاد، وتزيد من العجز المالي وتشل المصانع والشركات عن الإنتاج وهو ما يوسع من دائرة الأزمات المغلقة والتي تولّد أزمات جديدة، ما يفاقم التراجع والانكماش الاقتصادي.