أهالي مرسى مطروح  في مواجهة مخططات الإخلاء والتهجير القسري بعد صفقة رأس الحكمة

- ‎فيتقارير

 

جانب أخر من هموم المصريين يلوح في الأفق السياسي والاجتماعي المصري، يصطلي به مئات الآلاف من المصريين، في غرب مصر، بعد توقيع السيسي وحكومته الفاشلة صفقة بيع رأس الحكمة التي تضم 171 مليون متر مربع، في أجمل بقاع ساحل البحر المتوسط، وتمتد لـ50 كلم، بلا رحمة أو مراعاة لإرث تاريخي أو ملكيات مسجلة للأهالي أو ضمان إعادتهم بعد تطوير مناطقهم، كما يجري في كل بقاع العالم، في تركيا وأوروبا والمغرب وغيرها من دول العالم.

 

وبمخالفة صريحة للدستور والقانون المصري، يمارس السيسي سياسات التتهجير القسري ، مستخدما القوة الباطشة والعنف الشرطي والعسكري، لإجبار الأهالي على التهجير قسرا، بلا أية مراعاة لظروفهم، طالما أن بيوتهم ومناطقهم أصبحت متميزة أو جاذبة لعيون الإماراتيين والمستثمرين، كما يجري في  ضاحية الجميل، ببورسعيد حاليا، حيث يجري الجيش المصري حصارا شاملا للمنطقة التي بناها الأهالي من أموالهم وسددوا أثمانها للدولة، حيث قطع المياه والكهرباء وعطل خدمات الصرف الصحي، وأطلق جيوش البلطجية والحرامية برعاية وتنسيق الشرطة والجيش، بلا هوادة ضد الأهالي المتمترسين بديارهم.

 

ووفق تقديرات استراتيجية، فقد ارتبطت مشروعات النظام الانقلابي  خاصة الاستثمارية منها ودولة الإمارات بحملات إخلاء وتهجير للسكان الأصليين وصفتها منظمات حقوقية وسكان بأنها غير قانونية أو دستورية، ولا توفر بدائل عادلة، وتجري من خلال قوات الجيش والشرطة والاعتقال والاعتداء البدني واللفظي والسجن والإخفاء القسري.

 

مأساة 50 ألف من سكان رأس الحكمة

 

وتضم منطقة رأس الحكمة ، المستهدفة إماراتيا، العديد من القرى ويقطنها أكثر من خمسين ألف شخص، حيث جرى توقيع أكبر صفقة في تاريخ مصر بين مصر والإمارات لبيع المدينة، وهي واحدة من أجمل المناطق الساحلية على الإطلاق في مصر، تقدر قيمتها بـ 35 مليار دولار، في الوقت الذي تمر فيه البلاد بأسوأ أزمة اقتصادية ونقص في العملة الصعبة.

 

وعقب توقيع مشروع تطوير منطقة رأس الحكمة، تعهد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، بتعويض أهالي المنطقة نقدا وعينا، مؤكدا على إتمام حصر جميع المنشآت والأراضي الزراعية المقامة عليها والتي تبلغ مساحتها 55 ألف فدان.

 

وبشأن مصير آلاف السكان الذين يعيشون في تلك المنطقة الشاسعة، أوضح مدبولي أن خطة الدولة تتضمن نقل أهالي المنطقة إلى تجمعات سكنية سيتم إنشاؤها جنوب الطريق الدولي الساحلي، ليتمكن الأهالي من الاستفادة المباشرة من تنمية المنطقة.

 

محاولات إخلاء سابقة

 

وكان قد صدر قرار عام 1975 بإخلاء المنطقة من سكانها، ولم يتم تنفيذ القرار حتى عاد المشروع من جديد للظهور في عهد عبد الفتاح السيسي عام 2015 وبدأت الجهات المعنية بمحاولة إجبار السكان على الخروج من منازلهم وإخلاء أراضيهم، ما أثار الكثير من الاستياء خاصة أن المحافظة لم توفر لهم البدائل المناسبة.

 

والقرى هي “القواسم والداخلة وكشوك عميرة وأطنوح” وحتى قرية سيدى حنيش غربا، في الشريط الساحلي بطول 50 كيلومترا، بحجة طرحها للاستثمار، وتضم 80 مسجدا و20 مدرسة و3 مراكز شباب و4 جمعيات، وقد شهدت عمليات تهجير سكانها احتجاجات واسعة، وقد قدم بعضهم عقودا لملكية الأرض، تعود لعام 1954، بينما أكد الأهالي أنهم يسكنون تلك المنطقة منذ عام 1806.

 

وكان محافظ مرسى مطروح اللواء علاء أبو زيد، قد أكد لأهالي المنطقة أثناء احتجاجهم على مخطط التهجير في  يوليو 2015، بأن “هذا الكلام غير صحيح ولا يمت للحقيقة بصلة، وشدد على أنه لن يتم هذا وأنا أجلس على هذا الكرسي، وأقسم بالله أنه لن يضار مواطن بمطروح كلها وأنا أجلس على هذا الكرسي”، وهو ما حنث فيه لاحقا.

 

يشار إلى أن مسلسل التهجير والإخلاء لاحق المصريين من أقصى الجنوب ببلاد النوبة جنوب أسوان إلى دلتا النيل وجزر النيل وحتى مدن القناة ورفح أقصى شرق البلاد ومطروح أقصى غرب البلاد، ولم تسلم منطقة من الحملات العسكرية والشرطية واعتقال وحبس السكان الأصليين الرافضين لمخططات التهجير القسري وعدم التعويض بشكل عادل رغم أن الدولة تحقق أرباح بمليارات الدولارات على حساب أراضيهم ومشروعاتهم وأملاكهم.

 

والغريب أن معظم الاستثمارية (المصرية – الإماراتية) قامت على الإخلاء وأثارت الرأي العام المصري والحقوقي وجميعها تمت بالقوة وعنوة ولا يزال البعض قيد التنفيذ، مثل جزيرة الوراق بقلب النيل، ومثلث ماسبيرو على النيل، ونزلة السمان أسفل الأهرامات، وأحياء بمدن الإسماعيلية وبورسعيد والعريش شمال سيناء ومدينة رفح والشيخ زويد وجزيرتي أمون وقلادة الاستراتيجيتين بالنوبة جنوب البلاد.

 

كما أنه في فبراير 2024، شهدت مدينة بورسعيد مدخل قناة السويس مقتل أحد المواطنين خلال محاولات هدم منازل منطقة الجميل من قبل قوات الشرطة، بعد رفضه ترك المنزل.

 

وكان محافظ بورسعيد اللواء عادل الغضبان أصدر قرارا بتهجير خمسة آلاف مواطن من منازلهم لصالح مستثمرين “مجهولين”، وقال نشطاء: إن “المحافظة لم تصرف تعويضات أو تناقش قرارات الإخلاء مع الأهالي، وقد أنشئت المنطقة بقانون يعود لعام 1978 يقضي بدفع ضريبة عقارية لمدة 40 عاما مقابل الانتفاع بالمنازل”.

 

وفي مايو 2023، بدأت آلات الهدم مدعومة بقوات الجيش والشرطة في إزالة وهدم مئات المنازل والمنشآت بمدينة العريش بسيناء، وتضرر أكثر من 20 ألف شخص، لتوسعة وتطوير الميناء وفق قرار رئاسي يحمل رقم 465 لسنة 2021 الذي نص على أن يعاد تخصيص كل الأراضي المحيطة بالميناء واللازمة لأعمال التطوير لصالح القوات المسلحة، وذلك بإجمالي مساحة 541.82 فدان.

 

جزيرتا قرصايا والذهب

 

ونشرت الجريدة الرسمية في يناير 2022 قرارا رئاسيا بالموافقة على تخصيص 36 جزيرة نيلية، بالإضافة إلى جزيرة واحدة بحرية، لصالح القوات المسلحة من بينها جزيرتا القرصاية، التي تمتد على مساحة 139 فدانا تقريبا ويقطنها حوالى خمسة آلاف شخص والذهب التي تبلغ مساحتها نحو 350 فدانا وهما جزر نيلية بين القاهرة والجيزة بمناطق استراتيجية.

 

وكانت المحكمة الإدارية قد قضت في فبراير 2010 بإلغاء قرار رئيس الوزراء في 2007 بإخلاء القرصاية من سكانها، وأكدت على أحقية السكان في البقاء بالجزيرة، ورفضت مبررات الحكومة بتحويل أرضها إلى محميات طبيعية، ورغم ذلك داهمت قوات الجيش الجزيرتين أكثر من مرة واعتدت على السكان واعتقلت عددا منهم وإحالتهم لمحاكمات عاجلة.

 

وفي مطلع عام 2019، بدأت السلطات تهجير سكان نزلة السمان بهضبة الأهرامات وهي جزء من مشروعات التخطيط العمراني بزعم التطوير وإعادة التخطيط، حيث تعد هضبة أهرامات الجيزة واحدة من أهم المقاصد السياحية في العالم من أجل بناء فنادق ووحدات سكنية فاخرة تتولى إنشاءها شركة إماراتية.

 

وطوال أكثر من عامين قامت السلطات بهدم عشرات المنازل بمنطقة “نزلة السمان” بدعوى عدم ملكية أصحابها لها وتشكيل منطقة عشوائية تؤثر على المنطقة الأثرية، الأمر الذي اعترض عليه الأهالي ووقعت اشتباكات بينهم وبين قوات الأمن، التي ردت بإطلاق الغاز المسيل للدموع واعتقال العشرات من الأهالي، وأسفرت في نهاية المطاف عن إخلاء المنطقة وصرف تعويضات هزيلة.

 

وفي ديسمبر 2019، اعتقلت السلطات عدد من سكان جزيرتي أمون وقلادة النيليتين بأسوان، أثناء حملة مداهمة للاستيلاء على الجزيرتين وإخلاء السكان استخدمت فيها قوات الأمن الغاز المسيل للدموع لصالح أحد رجال الأعمال المصريين لإقامة فنادق ومنتجع سياحي.

 

وفي نفس السياق،  تعد جزيرة الوراق أكبر الجزر النيلية في مصر مساحة بنحو 1600 فدان ويقطنها أكثر من 150 ألف نسمة، وبدأت الحكومة حملة أمنية ضدهم في منتصف عام 2017 لطردهم وإقامة مشروع إسكان فاخر، تموله شركة إماراتية، بتكلفة 17.5 مليار دولار.

 

ويضم المشروع 8 مناطق تشمل ناطحة السحاب حورس، وبه قاعات مؤتمرات وفنادق 7 نجوم، وحدائق ومركز تجاري ومارينا لليخوت، ومهبط طائرات عمودية، وتهدف الحكومة وجعلها حيا عالميا على غرار حي مانهاتن الأمريكي.

 

وطوال خمس سنوات حاصرت قوات الأمن الجزيرة داهمتها في أوقات مختلفة واعتقلت العشرات من مواطنيها وزجت بهم في السجون، واعتدت على آخرين بسبب رفضهم إخلاء الجزيرة، واعتراضهم على حجم التعويضات الهزيلة، وتسويف الحكومة لهم، رغم أنها سوف تبيعها بمليارات الدولارات لمستثمرين إماراتيين.

 

وفي منتصف عام 2017، استهدفت الحكومة المصرية إخلاء منطقة مثلث ماسبيرو الملاصق لمبنى الإذاعة والتلفزيون الشهير ومبنى وزارة الخارجية على نهر النيل بالقاهرة والتي كان يقطنها أكثر من 5 آلاف شخص بدعوى أنها مناطق عشوائية.

 

ونجحت الحكومة في إزالة المنطقة في نهاية المطاف بعد صدامات ومفاوضات شاقة وتعويض السكان بوحدات سكنية نائية وأقامت مكانها أبراجا سكنية وإدارية ضخمة، وطرحتها للبيع وجنت منها عشرات مليارات الجنيهات.

 

وفي أكتوبر 2014 بدأ النظام بإزالة مدينة رفح بالكامل والقرى المحيطة بها وتدمير آلاف المنازل والمنشآت من أجل تفريغ منطقة الحدود بعمق 5 كيلومترات وبطول 13 كلم، وإزالتها عن الخارطة تماما انتهت منها مؤخرا استمرت عدة سنوات أسفرت عن اعتقال العشرات والاعتداء عليهم وحبسهم.

 

وزعمت السلطات أن الهدف هو تطهير المنطقة من “البؤر الإرهابية” و الأنفاق المنتشرة على جانبي الحدود، وزعمت أن ثلثي المواطنين المتواجدين وافقوا على إخلاء منازلهم نظير مقابل تعويض مادي، وبناء مدينة أخرى لهم وإعادة تسكينهم، وهو ما لم يحدث حتى الآن.

 

وتحتل الإمارات المرتبة الأولى في قائمة الدول العربية الدائنة لمصر، بواقع 22.2 مليار دولار، تمثل 13.5% من إجمالي ديون مصر  البالغة 164.5 مليار دولار، وتأتي السعودية في المرتبة الثانية بقيمة 12.5 مليار دولار، وبنسبة تصل إلى 7.6% من إجمالي الديون المصرية، بحسب بيانات البنك المركزي المصري.

 

ومع فشل النظام في سداد ديونه التي أنفقها على الفناكيش والمشاريع العبثية، تزداد قبضته الأمنية في وجه المصريين، للاستيلاء على مناطقهم ومنازلههم وأراضيهم لبيعها للإمارات، التي لا تجد غضاضة في إزهاق أرواح المصريين لتستولي على الأراضي المصرية، سدادا لأموالها التي نهبها السيسي.