الممر البحري نحو  غزة..إبعاد مصر ونفض يد الاحتلال من مسئولياته وقاعدة أمريكية متقدمة

- ‎فيتقارير

 

في الوقت الذي تتوسع فيه إسرائيل بقصف قوافل المساعدات والنازحين الذين ينتظرون طويلا من أجل شربة ماء أو لقمة خبز، جاء اقتراح الممر البحري القبرصي نحو غزة ، مع الإعلان الأمريكي الغربي عن تدشين رصيف بحري مؤقت في غزة، قد تديره الإمارات بتنسيق مع إسرائيل والقيادي الفتحاوي محمد دحلان وأطراف غربية وأمريكا، والذي يهدف لإعادة تشكيل قطاع غزة، عقب انتهاء الحرب، ولتقليص دور مصر وإعادة تشكيل المناطق الحدودية لقطاع غزة من كافة الاتجاهات.

 

ومع إبحار أول سفينة من قبرص الجنوبية إلى غزة، كشفت الخارجية الأمريكية عن بيان عربي غربي مشترك بشأن الممر البحري لنقل المساعدات إلى قطاع غزة، يؤكد على أن الممر البحري لا يمكن أن يكون بديلا عن الطرق البرية عبر مصر والأردن ونقاط العبور من الأراضي المحتلة إلى قطاع غزة.

 

وطالب البيان بأن يكون الممر البحري جزءا من جهود تضمن زيادة تدفق المساعدات والسلع إلى القطاع عبر الطرق البرية، ومع استمرار الإنزال الجوي للمساعدات.

 

وجاء في البيان أن فتح ميناء “أسدود” أمام المساعدات الإنسانية للقطاع سيكون موضع ترحيب، وسيكون مكملا مهما للممر البحري.

 

واستضاف الاجتماع: وزير خارجية قبرص كونستانتينوس كومبوس، بمشاركة أنتوني بلينكن وزير خارجية الولايات المتحدة، وديفيد كاميرون وزير خارجية بريطانيا، ومحمد بن عبد العزيز بن صالح الخليفي وزير الدولة بوزارة الخارجية القطرية، ويانيز لينارتشيتش مفوض الاتحاد الأوروبي لإدارة الأزمات، وسيغريد كاغ كبيرة منسقي الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية وإعادة الإعمار في غزة.

 

وأكد الوزراء على مواصلة مشاركتهم وإرسال كبار المسؤولين إلى قبرص خلال الأسبوع الذي يبدأ في 18 مارس للحصول على تفاصيل دقيقة حول مواصلة تفعيل الممر، بما في ذلك الجهود الأمريكية لإنشاء رصيف مؤقت قادر على استقبال كميات كبيرة من المساعدات الإنسانية في غزة.

 

وفي محاولة لتدارك الأزمة تواصل دول عربية وأجنبية تعاونها من أجل إنزال المساعدات جوا على مناطق شمال القطاع، إلا أنها تظل غير كافية ولا تسد الاحتياجات العاجلة للفلسطينيين.

 

أربعة تخوفات

 

ورغم مساهمة الممر البحري  في تخفيف بعض المعاناة عن الفلسطين، إلا أنه تبرز الكثير من المخاوف  إزاء الممر البحري.

 

وخلال خطاب “حالة الاتحاد” أمام الكونغروس أعلن الرئيس بايدن أن الجيش الأميركي سيبني ميناء على ساحل غزة لتلقي المساعدات للسكان الذين يعانون من المجاعة، وبحسب ما نُشر في الإعلام فإن الميناء لن يتطلب دخول القوات الأميركية أرض غزة، وسيظل الألف جندي المكلفين بحراسته في سفن حربية قبالة الساحل، وهذا الميناء سيشمل رصيفا يتصل باليابسة عبر جسر مؤقت، وسيوفر القدرة على استيعاب حمولات مئات الشاحنات من المساعدات يوميا، وسيستغرق إنشاؤه عدة أسابيع.

 

ويبدأ الرصيف البحري من قبرص، وهي أقرب دولة في الاتحاد الأوروبي إلى غزة (تبعد عنها 370 كلم)، وتم تحديد ميناء “لارنكا” كنقطة انطلاق للسفن المحملة بالمساعدات الإنسانية إلى القطاع التي ستأتي من مختلف دول العالم، وبعد تجهيز السفن سيعمل مسؤولون أمنيون إسرائيليون على تفتيشها بميناء لارنكا، لتنطلق بعدها إلى غزة برفقة طائرات مسيرة وحماية أمنية توفرها الدول الشريكة والجيش الإسرائيلي.

 

مساحة الميناء ستكون 6 كيلومترات مربعة، وتبلغ كلفته الأولية نحو 35 مليون دولار ستدفعها الولايات المتحدة، وسيضم مستشفيات عائمة، ومطاعم ضخمة، وبيوت إيواء مخصصة للطاقم الطبي والجنود والجهات الأمنية.

 

ويرى البعض أن فكرة الميناء خطوة جريئة، بعد فشل كل مساعي إدخال المساعدات الإنسانية لقطاع غزة عبر المعابر الرسمية بسبب العراقيل الإسرائيلية، ومحاولة من بايدن لتحسين صورته أمام شعبه مع اقتراب المعركة الانتخابية، ولكنه في واقع الأمر من أكثر المخططات خطورة واعتداء على سيادة قطاع غزة، وإعلان لبدء مرحلة إدخال قوات أجنبية للتحكم بمستقبل القطاع، بتعاون مريب مع إسرائيل، ويهدف المشروع للتغطية على المشكلة الحقيقية وهي حرب الإبادة، ومنح إسرائيل الضوء الأخضر للاستمرار في عدوانها على القطاع وسكانه على قاعدة “أنتم اقتلوا ودمروا، ونحن سندخل المساعدات”.

 

 

ومع الخطوة الأمريكية التي تجري بتنسيق سري مع إسرائيل،  تتخوف أوساط فلسطينية من  استغلال الميناء لتهجير الفلسطينيين من القطاع، إذ إن تركيز إسرائيل على إعطاء الموافقات على فتح ممرات بحرية ومنع مرور المساعدات بريا عن طريق المعابر، هدفه تطبيق خطة الحكومة بتكريس الاحتلال والفصل بين الضفة الغربية والقطاع وتهجير الفلسطينيين، وأن الممر يترتب عليه مخاطر تستهدف الوضع الديموغرافي في القطاع، في ضوء عمليات القتل والتجويع والحصار.

 

وأنه دليل إضافي على إحجام الإدارة الأميركية عن مواجهة إسرائيل بسبب عرقلتها إدخال مساعدات الإغاثة، أو استخدام نفوذها الاستثنائي على إسرائيل باعتبارها الداعم الرئيسي لها.

 

 

لكن المقرر الأممي الخاص المعني بالحق في الغذاء ندد بالفكرة، ووصفها بالخبيثة، مضيفا: الولايات المتحدة تقدم المساعدات وفي الوقت نفسه تعطي لإسرائيل ما تحتاجه من قنابل وذخائر ودعم مالي.

 

ووفق خبراء، فإن  فكرة الممر البحري جاءت كخطوة بديلة عن الضغط على إسرائيل لإيقاف عدوانها، أو استصدار قرار من مجلس الأمن بوقف إطلاق النار؟ وإذا كانت أميركا تريد حقا إيصال المساعدات، فلماذا لا تستخدم معبر رفح؟ وإذا كانت مصر تعيق إدخالها كما تزعم إسرائيل، فلماذا لا تستخدم معبر إيرز؟ ولماذا صارت فجأة كل الدول تريد إيصال المساعدات عن طريق الإنزال الجوي؟ وهل عمليات الإنزال الجوي أتت استجابة لرغبة إسرائيل، وتمهيدا لإلغاء معبر رفح، وإيصال المساعدات مباشرة دون أي دور لوكالة الغوث؟ طبعا لأن صفقة القرن تتضمن إلغاء الوكالة.

 

مخاطر الممر البحري

 

 

ويأتي الخطر الأول من مشروع الميناء ، ارتباطه بتشجيع هجرة الفلسطينيين طوعا إلى أوروبا، فإزاء تمسك مصر بموقفها الرافض للتهجير، فإن الميناء قد يوفر الدعم اللوجستي لتسهيل الهجرة، وقد يوفر بواخر نقل عملاقة.

 

 فقد أدى العدوان إلى تدمير شبه كامل للقطاع، واستشهاد وجرح أزيد من مائة ألف إنسان، ونزوح مليوني مواطن، ومع التجويع والحصار والدمار صار حلم كل مواطن مغادرة هذا الجحيم.

 

أما الخطر الثاني، فيتبلور في  فك ارتباط إسرائيل نهائيا مع غزة، ودفعها بعيدا، بعد أن فشلت في احتوائها أو إلقائها في حضن مصر، مع تعميق فصلها عن الضفة سياسيا، وإداريا، وجغرافيا، وكوحدة جمركية.

 

ووفق تقديرات استراتيجية، فإن الخطر  الثالث،  إخراج معبر رفح عن الخدمة، لأن إسرائيل لا تثق به، وتعتبره المدخل الرئيسي لأسلحة “حماس”، حيث سيؤدي ذلك مع مرور الوقت وفرض حقائق جديدة إلى إلغاء المعبر أو تهميشه، وقطع كل صلة لغزة مع العمق العربي.

 

ورابع المخاطر، فيرتبط ببعض المعطيات التي نجمت عن العدوان، والتي كانت سببا لها؛ وإذا ربطنا تلك المعطيات ببعضها قد نتوصل إلى استنتاجات منطقية؛ فمثلا قامت إسرائيل بشق طريق عرضي يصل بين السياج الشرقي والبحر بثلاثة مسارب، تسمح للدبابات والآليات بقطع المسافة بحدود سبع دقائق، ما يعني فصل القطاع شماله عن جنوبه، وإطباق السيطرة الإسرائيلية الكاملة عليه، وهذا يعني أن احتلال القطاع سيدوم لفترات طويلة جدا، وحتى لو اضطرت إسرائيل للانسحاب سيظل الجيش قادرا على اجتياحه والعودة إليه مجددا وفي أي وقت، وسيظل تحت الاحتلال المباشر أو غير المباشر، المهم أن هذا الطريق ومناطق تواجد الدبابات ستتصل بالميناء الأميركي، وقد صار واضحا أن هذا الميناء ليس لإيصال المساعدات، بقدر ما سيغدو قاعدة أميركية متقدمة، وموطئ قدم على شاطئ غزة، وتحديدا قبالة حقول الغاز، بما يضمن مستقبلا تقاسم موارد حقول الغاز بين أميركا وإسرائيل مع أي سلطة ستنصبها في غزة.