استمرار غلاء السلع رغم انفراجة الدولار شهادة  واقعية على  عمق الأزمة الاقتصادية

- ‎فيتقارير

 

الإخفاء القسري لأرقام الفقر والمستهلكين  منذ  2021 مخالفة دستورية للتستر على جرائم السيسي الاقتصادية

من قبل رفع أسعار الوقود والطاقة الذي أقر ليل الخميس الماضي، تتزايد شكاوى المصريين بجميع طبقاتهم من استمرار جنون  الأسعار، على الرغم من انخفاض أسعار الدولار مقابل الجنيه المصري، بعد سسلة من الاتفاقات بين السيسي والمؤسسات المانحة والأطراف الدولية وبيع رأس الحكمة، والمنح الأوروبية العديدة، وهو ما يعتبره خبراء ، كاشفا لحقيقة الأزمة الاقتصادية بمصر ومدى فداحتها، وأن ما يردده النظام من أن مصر خرجت من أزمتها الاقتصادية مجرد شو إعلامي ليس أكثر من ذلك، وأن التدفقات الدولارية التي تقدرر بنحو 57 مليار دولار  أجلت الانهيار بعض الوقت وليس طول الوقت.

 

ويعكس تباين الأسعار مع وفرة الدولار لدى الحكومة والبنوك تباطؤ وصول السلع الغذائية والاستهلاكية المستوردة، الأمر الذي يتضح في ندرة المعروض وارتفاع الطلب في شهر رمضان واقتراب فترة الأعياد، التي تشهد عادة زخماً في شراء مختلف السلع.

 

ولعل  لجوء الحكومة إلى معالجة شح السلع بقرارات نقدية تستهدف توفير السيولة للموردين، بينما تختار نوعية المشتريات والمبالغ التي توفرها للموردين المحددين من جانبها، دون أن تسمح بحرية استيراد السلع المطلوبة للمواطنين، حيث تواصل فرض قيود على الاستيراد، وتلزم الموردين بتدبير 120% من قيمة كل صفقة، وهو ما يضطرهم إلى تدبير الدولار من البنوك مقابل عمولة تراوح ما بين 10% و15%، أو المخاطرة بتجميعه من السوق الموازية السوداء بنحو 55 جنيها للدولار.

 

ووفق تقدييرات خبراء اقتصاديين، تتسبب هذه القيود في مواصلة أسعار السلع ارتفاعها، وهو ما يربك الحكومة التي تسوق لصفقات حصولها على قروض وعوائد بيع أصول عامة بقيمة 57مليار دولار خلال العام الجاري، الأمر الذي ينهي أزمة مالية خانقة تجعلها في مأمن من اضطرابات اجتماعية حذر اقتصاديون وبرلمانيون ومؤسسات دولية من خطورتها طوال الأشهر الماضية.

 

واستمر سلم الغلاء المتصاعد ليضرب أسعار الطعام، كالدواجن والأجبان والبيض والسكر والزيوت، وهو ما يتعارض مع موجات انخفاضات سعرية تشهدها الأسواق الدولية، وذلك رغم ما ترصده الحكومة من مليارات الدولارات للإفراج عن السلع والبضائع المكدسة في الموانئ.

 

كما ارتفعت أسعار الأدوية والمستلزمات الطبية والملابس، مع استقرار نسبي في أسعار السلع المعمرة والاستهلاكية غير الأساسية.

 

وأمام عجز الحكومة  أمام ادارة دولاب الاقتصاد المصري، وجهت المخابرات والأجهزة الأمنية لجانها الإلكترونية وقنواتها لشن هجوم لاذع على التجار وممثلي الغرف التجارية، ككبش فداء، لحماية المسئوول الأساسي عن الأزمة الاقتصادية، سواء أكان السيسي ونظامه وحكومة مدبولي الفاشلة.

 

في الوقت الذي تتهم الحكومة التجار بالجشع، تعجز هي عن توفير البدائل لحماية المستهلكين، وتوفير البديل بسعر رخيص، وهو ما يؤكد أن الأوضاع ما زالت مأزومة رغم مليارات الدولارات التي دخلت خزائن السيسي.

 

ووفق رسالة وجهها جودة عبد الخالق، وزير التضامن الأسبق، للحكومة ، عبر جريدة الأهالي، اعتبر موقف الحكومة وعدم قدرتها على توفير البدائل الاقتصادية لحلحلة أزمة الأسعار، دليلا واضحا على أن الحكومة ولجنة ضبط الأسواق وأسعار السلع، التي عقدت عدة اجتماعات خلال الآونة الأخيرة بحضور وزراء التموين والصناعة وقيادات اتحاد الغرف التجارية وأجهزة حماية المستهلك والمنافسة ومنع الاحتكار، فشلت فشلا ذريعا في مهمتها.

 

وبحسب عبد الخالق، فإنه رغم توافر الدولار منذ أسبوعين، إلا أن المواطن لم يجد السكر المختفي من الأسواق، ولم تنخفض الأسعار، ويبدو أن الأزمة لن تنفرج خلال شهر رمضان الجاري، ما يجعل المواطن يكابد لهيب الأسعار التي تنفلت بسب ضعف الرقابة الحكومية وجشع التجار.

 

أسعار الفائدة البنكية

 

ولعل ما يمكن أن يفسر ازمة الحكومة وفشلها في معالجة أزمات الأسعار رغم انخفاض الدولار، أنها اعتمدت على مواجهة التضخم برفع أسعار الفائدة بمعدل 600 نقطة (6%) دفعة واحدة مع تعويم العملة التي تراجعت من 31 جنيها للدولار إلى نحو 50 جنيها للدولار دفعة واحدة في اليوم الأول للتعويم، بهدف جذب السيولة إلى البنوك وعدم توجه المواطنين نحو المزيد من الاستهلاك، في الوقت الذي وعدت فيه بتوفير الدولار للموردين وفقا لأسعاره السائدة بالبنوك.

 

كما  أن الحلول التي تطرحها الحكومة لمواجهة الغلاء تصطدم بالقواعد التي فرضها البنك المركزي لتمويل الواردات، منذ فبراير 2022، ويوضح أن البنك المركزي متمسك بنظام السماح باستيراد السلع بنظام “الاعتمادات المستندية”، حيث يطالب الموردين بسداد كامل قيمة الصفقات التي يتفقون عليها مع نظرائهم بالخارج، بالإضافة إلى 20% زيادة في قيمة التمويل، وهو ما يحمّل الموردين مخاطر عالية عند إبرام الصفقات ويدفعهم للاقتراض بفوائد مرتفعة تزيد عن 30%.

 

كما  أن دفع الفواتير بكامل القيمة يضيق الخناق على الموردين، ويكتفي أغلبهم بطلب الواردات عند الحدود الدنيا بما يناسب حجم السيولة لديهم، والتركيز على السلع التي تحددها الحكومة والخاصة بالسلع الغذائية والدوائية لضمان التمويل من البنوك، دون أن تحقق إشباعا لطلبات المستهلكين المتراكمة خلال العامين الماضيين، ويشعر المواطنون بأن التدفقات النقدية التي حصلت عليها الحكومة تبخرت دون أن تحقق لهم أي فائدة مرجوة.

 

ويتوقع اقتصاديون استمرار حالة انفلات أسعار السلع بالأسواق مع زيادة الرسوم الجمركية وربطها بسعر الصرف الجديد للجنيه، في ظل عدم قدرة الحكومة على مواجهة كبار المحتكرين للسلع بالأسواق وارتباكها في إدارة الأزمة، رغم قبولها بتحرير سعر الصرف للمرة الرابعة أملا في تهدئة موجات التضخم والقضاء على تراكم الواردات السلعية ومستلزمات الإنتاج في الموانئ.

 

ولعل توسع حجم الأزمة وتشعبها وعدم قدرة الحكومة على ضبط الأداء الاقتصادي يفاقم أزمات المواطنين مع الأسعار التي ستظل تلهب ظهور الجميع وتدفع الاقتصاد المحلي نحو مزيد من الاختناق، رغم تراكم الديون الجديدة وفوائدها التي باتت تأكل أكثر من 140% من الناتج القومي الإجمالي.