على طريقة التنظيم الطليعي … مبادرة “جيل جديد” محاولة لايجاد طلائع “3 يوليو” بعدما فقد السيسي شعبيته

- ‎فيتقارير

على الطريقة الناصرية المقيتة، التي تسببت في نكسة يونيو 1967، يسارع السيسي ونظامه الأمني لخلق ظاهرة شعبية، وتيار يُسبح بحمده، بعد أن أكدت كافة التقارير الاستخباراتية انهيار شعبية السيسي ونظامه، بفعل الفشل الاقتصادي والأزمات المعيشية المتلاحقة، وذلك عبر إطلاق مبادرة “جيل جديد”، التي تقودها وزارة الداخلية.

المبادرة تبدأ وتنتهي في أحضان الحنين إلى الناصرية بمفهومها الأمني والسياسي، الذي بقي حالة متجذرة في عقلية السيسي منذ سنوات انقلابه الأولى وما تلاها.

 

وزارة الداخلية تشكل وعي الشباب

وقد ظهر هذا بوضوح في الآونة الأخيرة عندما قامت جهات أمنية، على رأسها وزارة الداخلية، بإطلاق مبادرات لإعداد جيل على شاكلة “التنظيم الطليعي”.

 

ماهية المبادرة

يعد حفل مبادرة “جيل جديد” الذي أقيم يوم 26 سبتمبر 2024، خطوة في طريق النظام لتكوين جيل مدعوم بعقيدة أمنية محددة مسبقًا، يكون الولاء الأول له للسلطة والسيسي، تمامًا كما فعل عبد الناصر من قبل.

مبادرة طلائع “جيل جديد” أطلقتها وزارة الداخلية عام 2022، برعاية وزير الداخلية محمود توفيق، بدأت بنحو 50 طالبًا من فتيان وشباب المناطق الحضرية الجديدة، مثل الأسمرات، بشائر الخير، وأهالينا، وتمثل شعارها في “إنفاذ رؤية السيسي في الجمهورية الجديدة، وبناء مفاهيم صحيحة للجيل الجديد عن الدولة، وتنمية وعيهم وتغيير شخصياتهم، وتعليمهم قيم الولاء والانتماء للنظام”، بعد 3 سنوات من إطلاق المبادرة، أصبحت تضم حاليًا 300 طالب من مختلف أنحاء الجمهورية.

وبحسب صحيفة “روز اليوسف” الحكومية، تكمن آلية عمل المبادرة في “إعداد برامج خاصة لتأهيل الشباب فكريًا، وتعريفهم بأهم إنجازات السيسي”، فضلًا عن “زرع حب السيسي ومؤسسات الدولة في نفوسهم من خلال تنظيم العديد من الزيارات والجولات الميدانية لهم”.

 

زيارات للمؤسسات الأمنية

شملت تلك الزيارات زيارة أكاديمية الشرطة، متحف الشرطة في الإسماعيلية، موانئ بورسعيد، وموانئ منطقة دبي، بالإضافة إلى زيارة قناة السويس الجديدة، مديرية أمن السويس، المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وأخيرًا حصلوا على جولة شاملة داخل العاصمة الإدارية الجديدة.

 

تنظيم الأطفال وصناعة أيديولوجيا لانقلاب 3 يوليو

لم تكن هذه الحالة الأولى لسعي السيسي إلى تكوين نواة جيل أمني مصنوع على عين النظام، ففي 8 فبراير 2020، كتب حليفه الإعلامي ياسر رزق، المتوفى في 26 يناير 2022، مقالًا تحت عنوان “حركة 3 يوليو”، فند فيه رؤيته لمستقبل حكم السيسي، وضع رزق أجندة منهجية كقالب أيديولوجي للأجيال القادمة، معبرًا عن قلقه إزاء جيل 2030.

وذكر أن الطفل الذي شهد ثورة 25 يناير 2011 قد “تشكل وعيه في خضم تقلبات الأحداث وتجاذبات الأفكار”، معبرًا عن قلقه من ذلك النشء الصغير الذي سيشكل الحياة السياسية مستقبلًا، وأوضح أن “الطفل الذي يدخل عامه الثامن هذه السنة، سيكون في الثامنة عشرة من عمره عام 2030، أي سيكون من حقه اختيار رئيس الجمهورية الجديد بعد انتهاء ولاية السيسي.”

واقترح رزق إنشاء “منظومة كاملة” تستوعب الجيل القادم، أطلق عليها “طلائع 3 يوليو”، تبدأ من أطفال المدارس وتمتد إلى طبقات العمال والفلاحين مستقبلًا، لكنه تغافل عن حقيقة أن الأجيال الحالية محرومة من حق العمل السياسي واختيار الرئيس أو حتى نواب البرلمان، في ظل سياسة تجفيف منابع العمل السياسي التي يتبعها النظام.

 

عسكرة المدارس

عندما أطلق ياسر رزق أفكاره لإصلاح الأحزاب وتكوين أجيال شابة تدين بالولاء للمنظومة الحاكمة أو للسيسي شخصيًا، لم يذكر أن الجيش أصبح اللاعب الرئيسي في الحياة السياسية المصرية بعد 3 يوليو 2013، كما تجاهل توغل الجيش في جميع مناحي الحياة، وسعيه إلى تحويل المجتمع برمته نحو عقلية عسكرية، بدأت من طلاب المدارس مرورًا بالموظفين والإعلاميين، حتى أصبح الحس العسكري موازياً للشعور الوطني.

 

تحديات المستقبل

المسار الذي يتابعه المصريون يومًا بعد يوم قد يعيق المسار السياسي الذي يأمله حواريو السيسي، ويدمره الفقر والبطالة والأزمات المعيشية التي يواجهها هؤلاء الـ300 شاب وأسرهم، بالإضافة إلى انهيار العملة وانغلاق آفاق المستقبل سواء في الوظائف أو فرص الحياة.

ناهيك عن الأزمات التي تعصف بمصير مصر كدولة، مثل جفاف نهر النيل وانهيار الدور الاستراتيجي لمصر في المنطقة، مع تمدد الدور الإسرائيلي على حدودها.

 

تساؤلات حول المبادرة

هذه المبادرة أثارت تساؤلات حول سبب إشراف وزارة الداخلية عليها بدلًا من وزارة التربية والتعليم أو الثقافة أو الأزهر الشريف، لكن هذه التساؤلات لا يمكن الإجابة عليها إلا بأنها نتيجة طبيعية للدولة العسكرية والأمنية، التي تأسست على انقلاب عسكري دموي دمر أسس الديمقراطية وحق الشعب في الاختيار والحكم، مع تقزيم مؤسسات الحياة المدنية.

حالة التجذر العسكري والأمني والظلم الواقع بحق المجتمع جعلت من إمكانية تفجر ثورة عارمة فكرة حاضرة دائمًا، ويخشاها السيسي، وقد عبر عنها أكثر من مرة، وبالتالي، يسعى إلى خلق سردية جديدة عبر جيل جديد يكون أكثر طواعية وولاء لنظامه.

لكن وفق التقديرات، فإن السيسي لن ينجح، فالتنظيم الطليعي في عهد عبد الناصر كان أقوى وأشرس وأكثر ولاءً وعددًا، حيث كانت الناصرية عقيدة بحد ذاتها، أما بناء السيسي الجديد فهو أقرب لبيت العنكبوت، الذي هو أهون البيوت.