أقرّت حكومة السيسي خطة جديدة لتعظيم الاستفادة من أصول الدولة عبر طرح عدد من المشروعات والأراضي للاستثمار، في سياق برنامج الطروحات الحكومية المرتبط بتوصيات صندوق النقد الدولي.
أبرز القرارات شملت السماح للهيئة القومية لسكك حديد مصر باستثمار 15 قطعة أرض بمساحة إجمالية تبلغ 73.2 ألف متر مربع في عدة محافظات، من بينها الإسماعيلية والمنيا وسوهاج والسويس والإسكندرية والغربية وأسيوط والدقهلية، وذلك بنظام البيع بحصة في الأرض. كما وافق المجلس على تسوية النزاعات الخاصة بمبنى "قصر القطن" في الإسكندرية، تمهيداً لتحويله إلى مركز استثماري متعدد الاستخدامات.
في قطاع الطيران، أعلنت وزارة الطيران المدني فتح باب التقدم للتحالفات والشركات الراغبة في إدارة وتشغيل مطار الغردقة الدولي، بدعم استشاري من مؤسسة التمويل الدولية، مع تأكيد أن الشراكة ستقتصر على التشغيل والتطوير دون المساس بملكية الدولة للأصول.
كما وافق المجلس على بدء إجراءات طرح محطات توليد الكهرباء من طاقة الرياح في منطقة جبل الزيت بقدرة 580 ميجاوات، ضمن خطة أوسع لطرح حصص في شركات الطاقة والخدمات والصناعة والاتصالات.
هذه الخطوات تأتي بينما يواصل صندوق النقد الدولي مراجعة برنامجه مع مصر، مع تركيز على ملف الطروحات الحكومية والأموال الساخنة، وسط ملاحظات بشأن اعتماد الحكومة على تدفقات قصيرة الأجل لتوفير السيولة.
أبرز الانتقادات
وفي التقارير حول برنامج بيع أصول الدولة، تتمحور الانتقادات حول أنه تفريط في السيادة الاقتصادية، وأنه لا يحقق تنمية حقيقية بل يسد فجوة الديون، إضافة إلى أن العوائد أقل من المستهدفات، وأن بيع شركات استراتيجية وبنوك وطنية يهدد الأمن القومي الاقتصادي والغذائي.
وأشار صندوق النقد الدولي نفسه إلى أن حصيلة بيع الأصول في العام المالي 2023–2024 بلغت نحو 2 مليار دولار فقط، وهي أقل من المستهدفات المتفق عليها ما يعني ضعف العوائد مقارنة بالمستهدفات، مع توقعات تشير إلى أن العوائد ستنخفض تدريجياً: 3.6 مليار دولار في 2024–2025، 3 مليارات في 2025–2026، ثم 2.1 مليار في 2026–2027.
وكان أبرز انتقاد أن الحكومة تبيع أصولاً استراتيجية مقابل عوائد محدودة لا تكفي لمعالجة الأزمة المالية.
وهو ما قاله الخبير الاقتصادي (المعتقل حاليا) عبد الخالق فاروق: "لن تؤدي سياسات استبدال الديون ببيع الأصول والمقدرات وأراضي الدولة الاستراتيجية لمستثمرين، تلعب دولتهم وحكوماتهم دورا مشبوها ومخربا في الإقليم العربي وعلى المسرح الأفريقي إلى إخراج مصر من مأزقها الاقتصادي الخانق ، بل على العكس ربما يدفع بها لمزيد من المخاطر والأضرار ، تماما كما جرى في موضوع سد النهضة الأثيوبي .".
تفريط في السيادة الاقتصادية
ووصفت تقارير عديدة بيع البنوك الوطنية ومحطات الطاقة وشركات الدواء بأنه تفريط في الأمن القومي الاقتصادي والغذائي والدوائي.
يرى منتقدون أن هذه الخطوات تسلّم مفاتيح الاقتصاد المصري لمستثمرين أجانب لا يعنيهم سوى الربح السريع، ما يضعف قدرة الدولة على التحكم في قطاعات حيوية.
وقالت الباحثة بيسان كساب وتكتب في مجال الاقتصاد ضمن تقرير في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط (TIMEP)إن "الخصخصة الحالية تعني تخلي الدولة عن قطاعات كاملة، وتسليم مفاتيح الاقتصاد لرأس المال الأجنبي، مع تهميش دور الدولة".
وحذر خبراء من "عودة الخصخصة" معتبرينها ليست حلاً، بل تؤدي إلى تشريد العمال وإهدار شركات القطاع العام، وتترك الاقتصاد رهينة للمستثمرين الأجانب.
الاعتماد على الأموال الساخنة
صندوق النقد سجل ملاحظات سلبية بشأن توسع الحكومة في الاعتماد على الأموال الساخنة لتوفير السيولة، وهو ما يعرّض الاقتصاد لمخاطر تقلبات الأسواق.
هذا يعزز الانتقادات بأن الحكومة لا تملك رؤية إنتاجية طويلة الأمد، بل تعتمد على بيع الأصول وتدفقات قصيرة الأجل.
وانتقد مراقبون من استخدام عوائد بيع الأصول لسداد فوائد الديون القديمة، كما لا تُستثمر في مشروعات إنتاجية أو تنمية مستدامة، وكانت النتيجة هي اقتصاد بلا إنتاج، حيث تُفكك القطاعات الرابحة وتُترك القطاعات الخاسرة عبئاً على الموازنة العامة.
وكشفت التقارير أن بيع الأصول لا يحقق أهداف الإصلاح الاقتصادي، بل يُستخدم كحل مؤقت لسد العجز وسداد الديون، مع مخاطر كبيرة على السيادة الاقتصادية والأمن القومي، الانتقادات تركز على أن هذه السياسة تمثل تجريفاً ممنهجاً لمقدرات الدولة، وأنها ستؤدي إلى مزيد من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي إذا لم تُستبدل برؤية إنتاجية وتنموية حقيقية.
