انتخابات بلا ناخبين: لماذا انهارت المشاركة البرلمانية إلى هذا القاع التاريخي؟

- ‎فيتقارير

 

لم تكن إعادة انتخابات مجلس النواب بنظام الانقلاب في عدد من الدوائر المصرية مجرد إجراء إداري فرضته أحكام قضائية، بقدر ما تحولت إلى شهادة إدانة سياسية لواقع العملية الانتخابية برمتها. أرقام المشاركة المتدنية، التي هبطت في بعض الدوائر إلى أقل من 2%، لا تعكس فقط عزوفاً شعبياً عابراً، بل تكشف أزمة شرعية عميقة تطاول بنية النظام السياسي نفسه.

المشهد الأكثر دلالة تمثل في فوز مرشحين بعدد أصوات لا يتجاوز سبعة أو ثمانية آلاف صوت، في دوائر يتجاوز عدد من لهم حق التصويت فيها 700 ألف ناخب. وهو رقم يضع الانتخابات البرلمانية، المفترض أنها الاستحقاق الأهم في أي نظام سياسي، في مرتبة أدنى حتى من الانتخابات الطلابية أو انتخابات النقابات المهنية، التي لا يُعتد بنتائجها أصلاً إذا لم تتحقق نسب حضور دنيا لا تقل عن 25%، وتُعاد فيها الجمعية العمومية إذا فشل انعقادها بنسبة 50% من الأعضاء.

أرقام بلا معنى تمثيلي

في دائرة الدقي والعجوزة، فاز مرشح مستقل بـ7649 صوتاً فقط من أصل أكثر من 700 ألف ناخب، بنسبة مشاركة بلغت 1.7%. وفي دوائر أخرى، لم تتجاوز نسب الحضور 2% أو 3%، وهي أرقام غير مسبوقة حتى مقارنة بانتخابات جرت في فترات وُصفت تاريخياً بضعف التعددية السياسية. هذا الانهيار العددي لا يمكن قراءته باعتباره كسلاً انتخابياً، بل باعتباره رسالة سياسية صريحة مفادها أن قطاعات واسعة من المصريين لم تعد ترى في صناديق الاقتراع أداة للتغيير أو حتى للتعبير.

«النتيجة محسومة سلفاً»

التفسير الأكثر تداولاً بين الناخبين، لا سيما من الشباب، أن نتائج الانتخابات محسومة مسبقاً، وأن إعادة الاقتراع لم تغيّر هذه القناعة بل عززتها. فإلغاء نتائج، وإعادة انتخابات، واتهامات موثقة بشراء الأصوات، وفروق غير مبررة بين محاضر اللجان الفرعية والنتائج النهائية، كلها عوامل ساهمت في تكريس شعور عام بأن المشاركة لا تقدم ولا تؤخر.

في هذا السياق، يتحول العزوف عن التصويت إلى سلوك سياسي سلبي لكنه واعٍ، يعكس انسحاباً متعمداً من عملية يُنظر إليها على أنها شكلية، لا تنافسية.

إعادة بلا جدوى سياسية

كان يفترض أن تمثل إعادة الانتخابات فرصة لاستعادة قدر من الثقة العامة، وتصحيح العيوب التي شابت الجولة الأولى. لكن ما حدث هو العكس تماماً: الإعادة كشفت عمق الفجوة بين السلطة والناخبين، وأظهرت أن الأزمة لم تكن في إجراءات الفرز فقط، بل في جوهر العملية السياسية نفسها.

المفارقة أن الإعادة، التي تُعد في النظم الديمقراطية آلية إنقاذ أخيرة، تحولت هنا إلى مرآة تعكس فراغ الانتخابات من مضمونها التمثيلي.

برلمان بأصوات هامشية

حين يصل نائب إلى البرلمان بأصوات لا تمثل سوى 1 أو 2% من مجموع من يحق لهم التصويت، يطرح ذلك سؤالاً جوهرياً: أي تفويض سياسي يحوزه هذا النائب؟ وأي رقابة أو تشريع يمكن أن يصدر عن مجلس تشكّل بهذه الطريقة؟ الأرقام تشير بوضوح إلى برلمان يستند إلى شرعية إجرائية شكلية، لا إلى تمثيل شعبي حقيقي.

من يدفع الفاتورة؟

الفاتورة في النهاية لا يدفعها المرشحون الخاسرون ولا حتى الدولة التي تنفق الملايين على تنظيم انتخابات خاوية، بل يدفعها المجال العام المصري بأكمله. فكل انتخابات تُجرى بهذه الصورة، وبهذه النسب، تكرّس مزيداً من القطيعة بين المجتمع والسياسة، وتعمّق شعور اللامبالاة واليأس، وتحوّل ما يُفترض أنه استحقاق سيادي إلى إجراء إداري بلا روح.

في المحصلة، لا تكشف هذه الانتخابات عن ضعف الإقبال فقط، بل عن أزمة أعمق: انتخابات تُجرى بلا ناخبين، وبرلمان يُنتخب بلا تفويض، ومشهد سياسي يدور في فراغ.