مشروع قانون جديد لتقييد الصحافة وحرية التعبير على مواقع التواصل الاجتماعي
شرعت حكومة عبد الفتاح السيسي في إعداد قانون جديد يُقدم على تضييق مساحة الصحافة وحرية التعبير على منصات التواصل الاجتماعي، تحت شعار "مواجهة الشائعات"، ويشمل بنودًا مثل "نشر أخبار وبيانات كاذبة" و"إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي".
ويأتي القانون ضمن سياق مستمر من التضييق على الصحفيين والحقوقيين، حيث شهدت السنوات الماضية توقيف مئات الصحفيين وحقوقيين، وحبسهم احتياطيًا أو إخفاء بعضهم قسريًا بسبب آرائهم أو منشوراتهم. كما تم حجب أكثر من 600 موقع إخباري وحقوقي، إلى جانب الملاحقات القانونية المستمرة للنشطاء والمعارضين، وتكبيل الحق في التظاهر السلمي، وفرض قيود على المجتمع المدني.
وفي تقريرها الصادر في كانون الثاني/ يناير 2025، ذكرت لجنة حماية الصحفيين أن مصر تحتل المرتبة السادسة عالميًا من حيث عدد الصحفيين المسجونين، حيث يصل العدد إلى نحو 24 صحفيًا بحسب تقديرات نقابة الصحفيين، وحوالي 37 صحفيًا وفق تقديرات أخرى.
الحقيقة الضائعة
يرى الكاتب الصحفي والإعلامي المصري المقيم في الولايات المتحدة، محمد السطوحي، أن "انتشار الشائعات مرتبط أساسًا بغياب المعلومات الدقيقة، وبالتالي علاجها يبدأ وينتهي بمزيد من الشفافية، وليس بفرض سلسلة جديدة من القوانين". وأضاف لـ"عربي21": "أغلب من يتم اعتقالهم منذ سنوات تُوجه إليهم تهمة نشر أخبار كاذبة، ما يعني أن أجهزة الدولة لا تجد ما يعيقها من الناحية القانونية".
وتابع السطوحي: "المفارقة أن الأخبار الكاذبة غالبًا ما تعكس نقدًا للوضع العام، بينما كبار المسؤولين وبعض الإعلاميين يروجون تصريحات وردية ثبت خطؤها دون أي مساءلة. فمثلاً من قال إن الدولار سينخفض إلى أربعة جنيهات، أو دعا المواطنين للتخلص من الدولار، هل خضع للمحاسبة بنفس المنطق؟ أم أن العقوبة مخصصة فقط لمن يحذر من سياسات فاشلة أو يرصد السلبيات؟".
وأشار إلى أن "افتقاد الثقة له تأثيرات سلبية على الاقتصاد، لكن العلاج الحقيقي يكون بخلق واقع أفضل ينعكس في تحسين حياة الناس، وليس بالاعتماد على أدوات أمنية وقانونية فقط". وختم بالقول: "لا أظن أن الصحافة المصرية بحاجة إلى قوانين جديدة، فهي تحولت بالفعل إلى صراعات تافهة حول الرياضة والفنانين بدل أداء رسالتها المهنية".
الطريق العكسى للحكومة
علق خالد البلشي على القانون الجديد قائلاً إن الحكومة تتخذ "الطريق العكسي" لمواجهة الشائعات عبر تغليظ العقوبات، بدلًا من معالجة السبب الحقيقي للمشكلة، وهو غياب الشفافية في توفير المعلومات الصحيحة. وأكد البلشي أن الدستور المصري يضع حلًا واضحًا للتعامل مع المعلومات عبر قوانين تضمن حرية تداول المعلومات، ما يجعل أي عقوبة سابقة على النشر غير مبررة.
وحذر نقيب الصحفيين من أن القانون الجديد قد يتحول إلى أداة قمعية لإسكات أي نقد أو رأي مستقل، مؤكدًا أن الحل لمواجهة الشائعات يكمن في إتاحة المعلومات الصحيحة وتعزيز الشفافية، وليس في العقوبات أو الحبس. وأضاف: "زيادة الغرامات أو تشديد العقوبات لن يوقف الشائعات، لكنها ستؤدي إلى تقييد الصحافة وإغلاق بعض وسائل الإعلام، ما يضر بحرية التعبير ويؤثر على صورة مصر الدولية".
التضيق الكامل
مشروع القانون الجديد يأتي ضمن سياسة أوسع للتضييق على الإعلام وحرية التعبير، ويُظهر تفضيل الحكومة للأدوات الأمنية والقانونية على الشفافية والمحاسبة. ويجمع مراقبون وحقوقيون على أن معالجة الشائعات الحقيقية تبدأ بتوفير المعلومات الصحيحة للجمهور، وليس عبر تغليظ العقوبات، وأن استمرار هذا النهج قد يعمّق العزلة الدولية لمصر ويضر بمناخ الاستثمار والثقة الاقتصادية
السيطرة على المعلومات والسيطرة على الاقتصاد
ويؤكد الكاتب الصحفي قطب العربي أن "القوانين الجديدة تستخدم كعصا للسلطة لإيذاء الخصوم، وليس لتحقيق العدالة"، مشيرًا إلى أن "الشائعات تزدهر في أجواء الانسداد السياسي، بينما الحكومة ترفض إصدار قانون حرية تداول المعلومات، ما يعمّق احتكار الدولة للمعلومات ويغذي بيئة الشائعات".
وفي هذا السياق، يقول مدير "المرصد العربي للإعلام" إن أي قانون جديد سيكون أداة لإخضاع الإعلام والرقابة على الرأي، ما يدفع الصحفيين إلى نقل البيانات الحكومية كما هي، بما فيها الأخطاء، خوفًا من العقوبات. وأضاف أن ذلك ينعكس سلبًا على تصنيف مصر في مؤشرات حرية الصحافة، ويضر بسمعتها الدولية في الشفافية والإفصاح، ويزيد من إحجام المستثمرين الأجانب عن دخول السوق المصرية.
