مع تزايد وقائع تسريب الغاز خلال الأسابيع الأخيرة بصورة غير مسبوقة، وحدوث حرائق وانفجارات في عدد من محافظات الجمهورية، سادت حالة من الخوف والرعب بين المصريين، مطالبين بضرورة مواجهة هذه الظاهرة بصورة عاجلة، خاصة بعد تدمير عدد من المنازل والعقارات، ومصرع وإصابة العشرات من المواطنين.
هذه الكوارث تكشف عن فساد وإهمال حكومة الانقلاب التي تعلن من وقت إلى آخر أنها تحقق إنجازات، بينما الواقع يشهد كوارث مريرة تجعل المصريين يعيشون في جحيم .
كانت محافظة الإسماعيلية قد شهدت في بداية شهر ديسمبر الجاري، حادث تسرب غاز داخل مصنع للملابس أدى إلى اختناق عشرات العمال ونقل عدد منهم للمستشفيات، وهو مثال صارخ على الخطر داخل المنشآت الصناعية.
كما شهدت محافظة الجيزة واقعة مأساوية بانهيار جزء من عقار في منطقة إمبابة ناجم عن انفجار غازي بسبب تسرب من ماسورة داخل شقة سكنية، ما أدى إلى سقوط ضحايا وإصابات وإلحاق أضرار بالعقارات والمنازل المجاورة.
وفي حدث مؤلم أعلن عن وفاة أسرة كاملة مكونة من خمسة أفراد اختناقاً نتيجة تسرب غاز داخل شقتهم بمنطقة بولاق الدكرور.
هذه الحوادث المتكررة أثارت تساؤلات حول إجراءات السلامة، وجاهزية أجهزة الطوارئ، والتزام الشركات والمواطنين بمعايير الأمن الصناعي والمنزلي، بجانب دور الجهاز التنفيذي في تقنين ومراقبة مصادر الغاز وصيانتها لمنع ووقع حوادث جديدة قد تكون أوسع تأثيراً.
أسباب فنية وتشغيلية
من جانبه قال الدكتور محمد يوسف أستاذ هندسة البترول والسلامة المهنية بجامعة قناة السويس: إن “معظم حوادث الغاز التي تقع داخل المدن والمنشآت تعود لأسباب فنية وتشغيلية يمكن تلافيها بتطبيق إجراءات محددة”.
وأوضح يوسف في تصريحات صحفية أن من الأسباب الشائعة حدوث تسرب في مواسير توزيع الغاز نتيجة التآكل أو سوء التركيب، أو تسرب من وصلة أسطوانة البوتاجاز المنزلية، وعدم صيانة شبكات التهوية داخل المنازل والمصانع، بالإضافة إلى تخطي قواعد التخزين والتعامل مع المواد القابلة للاشتعال في وحدات التصنيع.
وأشار إلى أن عدم تدريب العاملين في خطوط الإنتاج والافتقار إلى برامج فحص دورية لأنظمة الغاز يرفع من احتمالات وقوع حوادث خصوصاً في المصانع الصغيرة التي تقل فيها تكلفة الاستثمار في السلامة. مؤكدا أن ضعف الرقابة من الجهات المعنية على تطبيق معايير التركيب والصيانة، وتأخر الجهات المحلية في الاستجابة لبلاغات التسريب، كلها عوامل تزيد من حدة المشكلة.
فحوص دورية
وطالب يوسف بضرورة إجراء وفحص دورية لأنظمة التوصيل والتهوية، وتركيب حساسات كشف تسريبات في المنشآت السكنية والصناعية، والتشديد على بروتوكولات السلامة والتدريب الإلزامي للعاملين، مشددا على ضرورة تنظيم حملات توعية مجتمعية عن سلوكيات التعامل مع الغاز وأجهزة الطهي.
وحذر من أن إهمال هذه الإجراءات الفنية لا يؤدي فقط إلى خسائر في الأرواح والممتلكات، بل يضاعف التكلفة الاجتماعية والاقتصادية على المجتمع والأسر المتضررة.
ودعا يوسف إلى اتخاذ خطوات عاجلة وقابلة للتنفيذ على المدى القريب والمتوسط وأن تكون الأولوية لحملات فحص دوريّة شاملة لشبكات الغاز بالمناطق السكنية والصناعية، وتركيب منظومات كشف تسريبات في المصانع والمباني متعددة الطوابق، مع إلزام المقاولين والفنيين بشهادات واعتماد رسمي.
ولفت إلى ضرورة تشديد الرقابة وتفعيل آليات المحاسبة بفرض غرامات وإغلاق مؤقت للمنشآت المخالفة، وتوثيق نتائج التفتيش ورفعها للجهات المختصة والمجتمع المحلي لزيادة الشفافية.
اشتراطات البناء
وقال الدكتور طارق فتحي أستاذ القانون الجنائي بجامعة القاهرة : “هناك قوانين ولوائح فنية وقواعد ترخيص للمنشآت الصناعية والسكنية، لكنها تتعثر عند مستوى التطبيق والمحاسبة؛ لافتا إلى أن العقوبات الرادعة نادرة والإجراءات البيروقراطية في فرض الالتزام بطيئة، ما يترك ثغرات أمام المخالفين”.
وأكد فتحي في تصريحات صحفية أن التوسع في الاستهلاك والبنية التحتية المتعددة المصادر يتطلب تحديث منظومة العمل والمواصفات القياسية، محذرا من أن تأخر تحديث هذه المواصفات أو ضعف تنفيذها سيؤدي إلى تفاوت في جودة التركيب والخدمة، وبالتالي وقوع الكثير من حوادث التسريب.
وطالب بضرورة الالتزام بقوانين البناء والاشتراطات الخاصة بمرور وصيانة مواسير الغاز داخل العقارات، وفرض شروط محددة عند ترخيص المصانع ومراجعة خطط الطوارئ.
ومن الناحية التنفيذية، شدد فتحي على ضرورة خلق آليات تعاون بين وزارة بترول الانقلاب والجهات المحلية وإدارات الحماية المدنية والرقابة الصناعية لضمان القيام بجولات تفتيش مفاجئة وتطبيق عقوبات فعالة، بالإضافة إلى إنشاء آليات تبليغ سريع ومرقّمة لحوادث التسرب لضمان استجابة فورية تحدّ من الخسائر.
وأشار إلى أنه بدون إصلاح هذه الثغرات التنظيمية والقانونية ستتواصل الحوادث في التكرار رغم الحلول الفنية المتاحة.
برامج توعية
ولفت فتحي إلى ضرورة تفعيل برامج توعية مكثفة للمواطنين عن علامات التسرب وطريقة التصرف الآمن (فتح النوافذ، إطفاء مصادر الاشتعال، التبليغ الفوري)، مع نشر أرقام طوارئ متخصصة للغاز في كل محافظة.
ودعا إلى تحديث المواصفات الفنية وصياغة تشريعات تلائم التطور السكاني والصناعي وتساعد في تقليل المخاطر طويلة الأمد، مؤكدا أنه لا يمكن فصل الجانب الإنساني عن الحسابات التقنية والقانونية فكل حادثة تمثّل فقدان حياة أو عائلة مفككة أو إصابة مؤلمة، وواجب الدولة والمجتمع العمل سريعا لمنع حدوث مأساة جديدة.