تبديد ثروات الشعب المصري وبيع ممتلكاته بأبخس الأسعار نهج ثابت تسير عليه حكومة الانقلاب، من أجل مواصلة السفه الذي تمارسه عصابة العسكر من ناحية، وسداد فوائد وأقساط الديون التي تتراكم عليها عاما بعد آخر من ناحية أخرى.
كانت دولة العسكر قد أعلنت خلال السنوات الخمس الأخيرة، عن تطوير الأصول الصناعية والإنتاجية المملوكة لها ، ثم إسناد إدارتها وتشغيلها إلى مستثمرين محليين أو أجانب تحت مظلة الشراكة وتحقيق الكفاءة التشغيلية، لكن الواقع يكشف كذب هذه الادعاءات، وأن هدف العسكر هو البيع خضوعا لإملاءات صندوق النقد الدولي، ومحاولة تأجيل إعلان الإفلاس رغم أنه قادم لا محالة .
في هذا السياق، أعلنت وزارة قطاع الأعمال العام بحكومة الانقلاب في بيان رسمي نهاية أكتوبر الماضي عن استقبال رئيس مجموعة “أروجلو” التركية القابضة، لبحث فرص التعاون في إدارة وتشغيل عدد من مصانع الغزل والنسيج الجديدة التي أنفقت دولة العسكر مليارات الجنيهات على تطويرها.
تناول اللقاء “نماذج الشراكة الممكنة” بين المجموعة التركية والشركة القابضة للقطن والغزل والنسيج، وقام وفد فني من المجموعة بزيارة ميدانية لشركة غزل المحلة.
واعتبر مراقبون أن لقاء “أروجلو” لم يكن سوى حلقة جديدة في سلسلة متصاعدة من توجهات حكومة الانقلاب التي تجمع بين التمويل العام والاستثمار الخاص، حيث تتولى دولة العسكر ضخّ الأموال العامة في عمليات التحديث وإعادة الهيكلة، ثم تفتح الباب أمام مستثمرين محليين أو أجانب لإدارة الأصول المطوّرة.
وزعمت حكومة الانقلاب أنها قامت بتطوير شركات الغزل والنسيج بتكلفة 56 مليار جنيه، ومؤخرًا بدأت وزارة قطاع أعمال الانقلاب بالفعل مفاوضات مع شركات أجنبية لتشغيلها.
النهج ذاته تكرر في قطاعات أخرى من الفنادق التاريخية التي أعيد تأهيلها ثم أُسند تشغيلها إلى سلاسل عالمية، إلى الصناعات الثقيلة مثل الحديد والصلب التي مثّلت في يوم ما ركيزة الصناعة الوطنية، قبل أن يُعاد هيكلتها وتفقد دولة العسكر السيطرة عليها تدريجيًا.
خصخصة مقنّعة
من جانبه قال الباحث العمالي والاقتصادي حسن البربري: إن “دولة العسكر وإن كانت قد أنفقت مليارات الجنيهات على تطوير بعض المصانع والشركات خلال الخمس سنوات الماضية ، فإن الاتجاه المتسارع نحو إسناد إدارتها أو تشغيلها لمستثمرين من الخارج يعكس انتقال دولة العسكر من دور “المنتِج والمشغّل” إلى “المطوّر والمسهّل”، مؤكدا أن هذا التوجه يتخطى كونه مجرد تطوير للإنتاج أو تحديث للمعدات، وانما يأتي في إطار عملية خصخصة مقنّعة لا يُصرَّح بها ، وإنما تُقدَّم تحت عناوين خادعة مثل: شراكة مع القطاع الخاص، أو إدارة مشتركة، أو مسئولية مشتركة”.
وأضاف البربري في تصريحات صحفية أن وزراء قطاع الأعمال العام المتعاقبين بحكومة الانقلاب، أعلنوا عن خطة تطوير ضخمة قُدرت بالمليارات إذ قدرت بــ 21 مليار جنيه في المرحلة الأولى، ومن ثم تحدّثت دولة العسكر عن إشراك صناديق استثمارية وبنوك متخصصة في إدارة شركات كبرى مثل غزل المحلة وكفر الدوار، وذلك ضمن ما أسمّته “شراكة مع القطاع الخاص في الإدارة والتسويق .
وأشار إلى أن النهج ذاته تكرر في قطاعات أخرى، مثل البتروكيماويات، حيث طرحت حكومة الانقلاب حصصًا من شركات أبو قير للأسمدة والإسكندرية للزيوت المعدنية (أموك) وموبكو في البورصة ضمن برنامج “الأطروحات الحكومية” موضحا أنه في 2023 زعمت وزارة مالية الانقلاب أن الهدف هو توسيع قاعدة الملكية وجذب استثمارات أجنبية، وهو التعبير الذي صار يتكرر على لسان مسئولي حكومة الانقلاب، من رئيس الوزراء إلى وزراء الاستثمار والمالية والعمل وغيرهم .
وكشف البربري أن هذه الطروحات أدت إلى نقل نسب من السيطرة إلى صناديق استثمار خليجية وسعودية لافتا إلى أنه في قطاع الزيوت والصابون، قامت وزارة قطاع أعمال الانقلاب بدمج شركتي طنطا للزيوت مع الإسكندرية للزيوت بدعوى إعادة الهيكلة، لكن النتيجة كانت الاستغناء عن نحو 30% من العمالة في الشركتين.
وأوضح أنه وفق بيانات وزارة قطاع أعمال الانقلاب، تم دمج أو إغلاق نحو 50 شركة خلال عام 2023، وتخفيض عدد العمالة في قطاع الغزل والنسيج وحده، فمثلًا، شركة غزل المحلة التي كانت توظف أكثر من 20 ألف عامل، انخفض عددهم إلى النصف تقريبًا.
وتابع البربري: تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2024 أشار إلى انخفاض خسائر شركات قطاع الأعمال بعد تنفيذ خطة التطوير، لكن عندما دققنا في الأرقام وجدنا أن هذا الانخفاض تحقق ببساطة لأن دولة العسكر دمجت الشركات وقلّصت العمالة، أي قلّصت بند الأجور في الموازنة، وليس لأن الشركات تحسّن أداؤها فعلاً .
صندوق النقد
وقال أستاذ الاقتصاد السياسي الدكتور كريم العمدة: إن “مشاركة القطاع الخاص وزيادة نسبته في الاقتصاد كانت دومًا أحد الشروط الأساسية في برامج الإصلاح الهيكلي التي يراقبها صندوق النقد الدولي عن كثب، إذ يرتبط صرف الشرائح الجديدة من القروض عادة بخطوات عملية مثل طرح حصص من الشركات الحكومية في البورصة أو جذب مستثمرين استراتيجيين وماليين لتلك الكيانات”.
وأكد العمدة في تصريحات صحفية أن حكومة الانقلاب تسعى من خلال هذا النهج إلى تقليص وجودها المباشر في النشاط الاقتصادي، بعدما أثبتت التجربة أن الإدارة الحكومية للقطاعات الإنتاجية لم تكن ناجحة، في ظل تفشي البيروقراطية وارتفاع معدلات الفساد وضعف الكفاءة الإدارية، ما أدى إلى خسائر متراكمة في عدد من الشركات العامة.
وأشار إلى أن الاتجاه السائد أصبح إشراك القطاع الخاص في الإدارة والتشغيل، لا سيما في القطاعات الخدمية مثل الفنادق، حيث تركز دولة العسكر على دور “الشريك الإداري” أكثر من كونها منتجًا مباشرًا، موضحا أن المستثمر يحصل على نسبة في الأرباح، بينما النسبة الأكبر تكون للدولة صاحبة الأصول.
وثيقة ملكية الدولة
وأكد محمد رمضان، الباحث في الملف الاقتصادي بـ”المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” أن إسناد إدارة بعض المصانع والشركات إلى مستثمرين أجانب يأتي في إطار ارتباط حكومة الانقلاب بشروط صندوق النقد الدولي، والحاجة إلى التعامل مع ملف الديون المتراكمة، مشددا على أن إشراك القطاع الخاص بشكل أوسع في الاقتصاد يُعدّ أحد البنود الرئيسية في اتفاقات الصندوق مع حكومة الانقلاب.
وقال رمضان، في تصريحات صحفية: إن “مصطلح “إشراك القطاع الخاص” أصبح محوريًا في الخطاب الاقتصادي الرسمي، إذ يعني عمليًا تخارج دولة العسكر تدريجيًا من إدارة عدد من الأصول والقطاعات الإنتاجية، وفتح المجال أمام الشركات الخاصة لتولي هذه المهام، وهو ما يُعد جزءًا من تنفيذ متطلبات صندوق النقد الدولي”.
وأشار إلى أن دولة العسكر بدأت بالفعل في تنفيذ هذا النهج منذ إصدار “وثيقة ملكية الدولة”، التي رسمت خريطة طريق لتقليص حضورها في بعض القطاعات، مقابل إتاحة مساحة أوسع للقطاع الخاص المحلي والأجنبي .
حلول بديلة
وشدد رمضان على أن هذا التوجه قد لا يكون الخيار الأمثل أو الأكثر فاعلية؛ إذ يمكن لحكومة الانقلاب بدلاً من التخارج الكامل أن تستفيد من خبرات القطاع الخاص من خلال دمج الكفاءات المتخصصة داخل الهياكل الحكومية، بما يسمح بنقل المعرفة وتحسين الإدارة دون التفريط في السيطرة على الأصول الوطنية.
واعتبر أن التوسع في إسناد إدارة الأصول العامة لشركات خاصة يعكس رغبة حكومة الانقلاب في تحقيق متطلبات صندوق النقد الدولي بأسرع الطرق الممكنة، لكن ذلك يتم أحيانًا دون دراسة كافية للحلول البديلة التي قد تكون أكثر استدامة، وتوازن بين الكفاءة الاقتصادية والمصلحة الوطنية على المدى الطويل.