أخيرا في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة نوقشت رسالة تحمل عنوان “آليات النظم السلطوية للاستمرار والتكيف: نموذج النظام السوري السابق” هي من أبرز الدراسات الأكاديمية التي يدخل موضوعها ضمن حقل دراسات السلطوية، أي البحث في كيفية بقاء الأنظمة غير الديمقراطية، وقدرتها على التكيف مع الأزمات الداخلية والخارجية.
ولا تقتصر الرسالة على الحالة السورية، بل تقدم إطارًا يمكن تطبيقه لفهم الوضع المصري الراهن، حيث تتشابه الأدوات: القمع الأمني، بناء شبكات النخبة، التكيف الاقتصادي المحدود، وتوظيف الخطاب الوطني/الأيديولوجي.
وعبر النظام السلطوي يستمر القمع الأمني، وبناء شبكات نخبوية، والتكيف الاقتصادي، والخطاب الأيديولوجي، هذه الآليات تعمل معًا لتجعل النظام قادرًا على البقاء والتكيف مع الأزمات، حتى لو كان فاقدًا للشرعية الديمقراطية.
والباحثة في مركز الأهرام للدراسات، د.رابحة محمد سيف الدين علام (باحثة دكتوراه بجامعة القاهرة) نشرت في 2025 مراجعة تحليلية بعنوان “مقاربات بقاء النظم السلطوية”، وهي مرتبطة بهذا الاتجاه الأكاديمي.
وتُعد هذه الرسالة من أبرز الدراسات التي نوقشت في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، حيث تناولت موضوعًا محوريًا في حقل دراسات السلطوية، وهو كيفية بقاء الأنظمة غير الديمقراطية وقدرتها على التكيف مع الأزمات الداخلية والخارجية. الدراسة ركزت على النظام السوري قبل عام 2011 كنموذج تطبيقي، لتوضيح الآليات التي يستخدمها النظام السلطوي للبقاء رغم فقدانه الشرعية الديمقراطية.
مضمون الدراسة
والموضوع الأساسي للرسالة هو؛ تحليل أدوات البقاء السلطوي، مع التركيز على الحالة السورية مستندا إلى الأدبيات الحديثة التي ترى السلطوية ظاهرة مستقرة، وليست مجرد مرحلة انتقالية نحو الديمقراطية.
وفي محاولتها النقدية جمعت في رصد آليات النظم السلطوية المنهج الوصفي والتحليلي، الذي يجمع بين مراجعة الأدبيات الدولية وتطبيقها على الحالة السورية.
وعن آلية (القمع والأجهزة الأمنية) أشارت إلى الاعتماد على أجهزة المخابرات والأمن الداخلي لضبط المجتمع، واستخدام الاعتقال، التعذيب، والإخفاء القسري كأدوات ردع لخلق حالة خوف عامة تمنع أي حراك جماهيري واسع.
ثم آلية (بناء شبكات النخبة والتحالفات) لضمان الولاء عبر تحالفات مع رجال الأعمال والعسكريين والنخب السياسية وتوزيع المنافع والمناصب على الموالين وربط مصالحهم ببقاء النظام، وهي الشبكات التي تجعل سقوط النظام مكلفًا للنخب، فيدافعون عنه.
الآلية الثالثة وهي: (التكيف الاقتصادي) وتعني؛ تبني سياسات اقتصادية انتقائية لامتصاص الغضب الشعبي وتقديم دعم أو امتيازات لفئات معينة، أو فتح مجالات استثمارية للنخب حيث الاقتصاد يُستخدم كأداة سياسية لشراء الولاءات أو تهدئة الأزمات الاجتماعية.
وعن الآلية الرابعة (الخطاب الأيديولوجي والشرعية الرمزية) وفيها؛ توظيف شعارات المقاومة والممانعة أو حماية الهوية الوطنية، واستخدام الإعلام والدعاية لتبرير السياسات القمعية وإظهار النظام كحامي للوطن وذلك ضمن خطاب يمنح النظام غطاءً شرعيًا أمام الداخل والخارج رغم الممارسات السلطوية.
محاور السلطوية
وعن محاور تستغلها السلطوية؛ (الشرعية الشكلية) عبر الانتخابات والاستفتاءات التي تفتقر إلى المنافسة الحقيقية، و(إدارة المعارضة) من حيث السماح بوجود أحزاب شكلية أو منظمات مجتمع مدني تحت السيطرة لإظهار صورة التعددية دون تمكين فعلي، و(التحالفات الاجتماعية) بربط مصالح النخب الاقتصادية والعسكرية ببقاء النظام، ما يجعلهم شركاء في استمراره.
السياق الأكاديمي
وتأتي هذه الرسالة ضمن موجة أوسع من الدراسات في جامعة القاهرة وغيرها، التي بدأت منذ العقد الأخير تركز على بقاء النظم السلطوية بدلًا من افتراض انهيارها الحتمي.
وللباحثة رابحة محمد سيف الدين علام نشرت في 2025 مراجعة بعنوان مقاربات بقاء النظم السلطوية، مرتبطة بهذا الاتجاه الأكاديمي، وأشرف على الرسالة أساتذة متخصصون في النظم السياسية المقارنة مثل د. أمل كامل حمادة، التي ساهمت في نشر أبحاث مرتبطة بالموضوع.
الدلالات ونتائج
ولم يعد النظر إلى السلطوية كظاهرة عابرة، بل كأنظمة قادرة على التكيف والبقاء، وكان اختيار النموذج السوري لباحثة من مصر يوضح كيف يمكن لدراسة حالة واحدة أن تكشف عن آليات عامة تتكرر في أنظمة أخرى بالمنطقة ومنها مصر.
ولذلك استخلصت الدراسة كيف وظّف النظام السوري أدوات القمع لضبط المجتمع ودور التحالفات النخبوية في ضمان الولاء للنظام والاقتصاد كأداة سياسية لشراء الولاءات وامتصاص الغضب.
التوصيات:
ضرورة دراسة السلطوية كظاهرة مستقلة لفهم استمراريتها.
التركيز على العلاقة بين القمع وبناء شبكات النخبة كأدوات مركزية للبقاء.
تحليل الخطاب الأيديولوجي كوسيلة لإضفاء شرعية رمزية على الأنظمة السلطوية.
الاستفادة من هذه الدراسات لفهم أنماط الحكم في المنطقة العربية، بما فيها مصر، حيث تُستخدم أدوات مشابهة للبقاء السلطوي.
https://jcopolicy.uobaghdad.edu.iq/index.php/jcopolicy/article/view/851