حذر البنك الدولي من وضع مصر المالي، مؤكدًا في أحدث تقاريره السنوية حول الديون العالمية، أن البلاد باتت على أعتاب مستويات خطرة من المديونية الخارجية، بما يهدد استقرارها الاقتصادي والاجتماعي في المدى المتوسط. التقرير، الصادر تحت عنوان International Debt Report 2025، يقدم صورة قاتمة عن اعتماد مصر المتزايد على الاقتراض الخارجي والتمويل قصير الأجل، ويصفه بأنه نموذج غير مستدام يفاقم هشاشة الاقتصاد ويقيد خياراته المستقبلية.
وحذّر التقرير من لجوء بعض الدول، ومن بينها مصر، إلى ما وصفه بـ"الصفقات الخطرة"، مثل بيع أصول عامة أو منح امتيازات طويلة الأجل مقابل سيولة سريعة. ورأى أن هذا النهج قد يخفف الضغط مؤقتًا لكنه يعيد إنتاج الأزمة بشكل أعمق، ويقيد القرار الاقتصادي والسيادي للدولة لسنوات طويلة.
ونبه التقرير إلى مخاطر الاعتماد المفرط على الأموال الساخنة، مشيرًا إلى أن جزءًا معتبرًا من تدفقات النقد الأجنبي إلى مصر يعتمد على أدوات دين قصيرة الأجل ذات فائدة مرتفعة، وهي أموال سريعة الخروج عند أول اهتزاز في الأسواق، ما يعرّض الجنيه والاحتياطي النقدي لمخاطر مفاجئة ومتكررة.
حجم الدين الخارجي
وأوضح التقرير أن حجم الدين الخارجي لمصر تجاوز 160 مليار دولار، وهو رقم غير مسبوق في تاريخها الحديث، مقابل قدرة محدودة على توليد النقد الأجنبي. وبيّن أن تكلفة خدمة الدين وحدها تلتهم ما يقارب نصف إيرادات الدولة من الصادرات، ما يضيّق بشدة هامش الإنفاق العام ويضعف قدرة الحكومة على تمويل القطاعات الأساسية مثل الصحة والتعليم والدعم الاجتماعي.
وأشار البنك الدولي إلى أن نسبة الدين الخارجي إلى عائدات الصادرات بلغت 230%، وهي من أعلى النسب بين الدول متوسطة الدخل، فيما وصلت نسبة خدمة الدين إلى الصادرات نحو 49%، وهي مستويات خارج الحدود الآمنة وفق المعايير الدولية، وتعكس هشاشة متزايدة في قدرة البلاد على الوفاء بالتزاماتها دون اللجوء إلى قروض جديدة أو بيع أصول استراتيجية.
الضغوط الاجتماعية والمعيشية
وأكد التقرير أن تصاعد أعباء الفوائد يدفع الحكومات إلى تقليص الإنفاق الاجتماعي ورفع الضرائب غير المباشرة، وهو ما ينعكس مباشرة على مستويات المعيشة. وأشار إلى أن مصر تشهد ضغوطًا معيشية متزايدة في ظل ارتفاع التضخم وتآكل الدخول الحقيقية، بينما تزداد كلفة الاقتراض عامًا بعد آخر.
واعتبر أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى ضغوط حادة على ميزان المدفوعات، خاصة مع ارتفاع فاتورة الواردات وتراجع القدرة على زيادة الصادرات بالوتيرة المطلوبة، ما يجعل الاقتصاد أكثر عرضة للصدمات الخارجية وتقلبات الأسواق العالمية.
ودعا البنك الدولي الحكومة المصرية إلى إعادة النظر جذريًا في نموذج النمو القائم على الديون، مطالبًا بالتحول نحو سياسات تعزز الإنتاج الحقيقي والتصدير، وتحد من التوسع في الاقتراض الخارجي، مع تحسين كفاءة الإنفاق العام وزيادة الشفافية في إدارة الدين.
وشدد على أهمية إعادة هيكلة الدين بدلًا من ترحيله، محذرًا من أن الاستمرار في تدوير القروض الحالية عبر قروض جديدة سيؤدي إلى تحميل الأجيال القادمة أعباءً مالية أكبر، ويقوض فرص التنمية المستدامة.
السياق المحلي والدولي
وتواجه مصر تراكمًا غير مسبوق في الأزمات الاقتصادية، وسط تضخم مرتفع وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، واستمرار الجدل حول جدوى السياسات المعتمدة على الاقتراض الخارجي كحل دائم.
ورغم التحذيرات المتكررة من المؤسسات الدولية وخبراء الاقتصاد، لا تزال الحكومة المصرية تعتمد على القروض والصفقات المالية لتغطية العجز، ما يثير مخاوف من دخول البلاد في حلقة مفرغة من الديون.
ويعتبر تحذير البنك الدولي ليس مجرد توصية تقنية، بل هو ناقوس خطر يسلط الضوء على هشاشة النموذج الاقتصادي المصري القائم على الديون. استمرار هذا المسار قد يقود إلى أزمة مفتوحة تهدد الاستقرار المالي والاجتماعي، ما لم يتم تبني إصلاحات جذرية تعيد التوازن بين الاقتراض والإنتاج، وتضع الاقتصاد على مسار أكثر استدامة.
تعليقات على التقرير
ومن جانبهم وصف خبراء اقتصاد أرقام التقرير بأنها "صادمة"، وأكدوا لـ"عربي 21" أن خدمة الدين الخارجي التي تستهلك نحو 49% من الصادرات المصرية تمثل نقطة فاصلة تستدعي مراجعة السياسات. وحذروا من "الصفقات الشيطانية" مثل بيع الأصول أو منح امتيازات طويلة الأجل، معتبرين أن ذلك مغامرة بالمستقبل.
أما الأكاديمي د. محمد فؤاد وعبر صحيفة "المصري اليوم" فأوضح أن الرقم الذي ذكره البنك الدولي (43.2 مليار دولار التزامات حتى سبتمبر 2025) يختلف عن بيانات البنك المركزي (22.4 مليار دولار)، مشيرًا إلى ضرورة التفريق بين الالتزامات واجبة السداد الفورية وبين إجمالي الالتزامات طويلة الأجل. هذا التوضيح يعكس جدلًا أكاديميًا حول دقة الأرقام وكيفية قراءتها.
وأعاد د. محمد فؤاد التأكيد أن الجدل حول الأرقام يعكس الحاجة إلى شفافية أكبر في إدارة الدين، وأن الاعتماد على القروض قصيرة الأجل بفوائد مرتفعة يضاعف المخاطر على الجنيه والاحتياطي النقدي.
ونقلت "علامات أونلاين" عن محللين اقتصاديين أن مصر باتت من بين أكثر الدول النامية تعرضًا لضغوط الديون، وأن نسبة الدين إلى الصادرات (230%) تعد من أعلى النسب عالميًا. وأكدوا أن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى ضغوط حادة على ميزان المدفوعات، مع آثار مباشرة على الصحة والتعليم والدعم الاجتماعي.