لم يأتِ قرار القضاء المصري بوقف وتجميد انتخابات نادي قضاة مصر كحدث إداري معزول، بل كشف – في عمقه – عن معركة أوسع تتجاوز حدود نادٍ مهني، لتطال جوهر العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية، وحدود الاستقلال المؤسسي للقضاة، وانعكاسات ذلك على مستقبل الإشراف القضائي على الانتخابات البرلمانية.
مخالفات شكلية… ودلالات سياسية
الحكم الصادر عن محكمة استئناف القاهرة، والذي استند إلى مخالفات لائحية جسيمة في تشكيل اللجنة المشرفة واعتماد التصويت الإلكتروني دون تفويض جمعي، بدا – في ظاهره – انتصارًا صارمًا لحرفية القانون. غير أن القراءة الأوسع تكشف أن هذه المخالفات لم تكن مجرد أخطاء إجرائية، بقدر ما عكست محاولة لإعادة هندسة توازنات داخل نادي القضاة، بما يضمن تحييد الأصوات المستقلة داخله.
فنادي القضاة، تاريخيًا، لم يكن مجرد كيان اجتماعي، بل منصة رمزية للتعبير عن موقف القضاة من استقلالهم ودورهم الدستوري، وخصوصًا في ملف الإشراف على الانتخابات. ومن ثم، فإن أي محاولة للالتفاف على قواعده الداخلية، أو تجاوز مبدأ الأقدمية، تُقرأ باعتبارها مسعى لإعادة ضبط موازين النفوذ داخل المؤسسة القضائية نفسها.
من نادي القضاة إلى صناديق الاقتراع
تكمن خطورة المشهد في أن ما جرى داخل نادي القضاة يتقاطع مباشرة مع واقع الانتخابات البرلمانية الأخيرة، التي جرت عمليًا في ظل غياب الإشراف القضائي الكامل، والاكتفاء بأدوار شكلية أو إدارية للقضاة، بعد سنوات من تقليص هذا الدور تدريجيًا.
فالإشراف القضائي الحقيقي على الانتخابات كان دومًا مرهونًا بوجود قضاء مستقل، قادر على فرض نزاهة الإجراءات ومساءلة السلطة التنفيذية. ومع تآكل هذا الدور، تحولت الانتخابات البرلمانية إلى عملية إدارية مغلقة، تديرها أجهزة الدولة وأحزابها الموالية، بعيدًا عن الرقابة القضائية الفعلية.
لماذا الآن؟
يأتي تجميد انتخابات نادي القضاة في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع استحقاقات سياسية وانتخابية تسعى فيها السلطة إلى ضمان برلمان مُطوَّع، خالٍ من أي مفاجآت. ومن هذا المنظور، فإن السيطرة على مفاصل العمل القضائي – حتى في أطره المهنية – تصبح شرطًا مسبقًا لإحكام السيطرة على المجال السياسي برمته.
ويشير قضاة مطلعون إلى أن أي انتخابات حرة داخل نادي القضاة قد تفرز مجلسًا أكثر تمسكًا باستقلال القضاء، وأكثر انتقادًا لغياب الإشراف القضائي على الانتخابات العامة، وهو ما يمثل مصدر إزعاج مباشر للسلطة التنفيذية.
التصويت الإلكتروني… بوابة خلفية للهيمنة
يثير إدخال نظام التصويت الإلكتروني داخل نادي القضاة، دون سند لائحي أو توافق جمعي، مخاوف مضاعفة، لا تتعلق فقط بسلامة انتخابات النادي، بل بما قد يمثله ذلك من نموذج قابل للتعميم في الانتخابات العامة، في ظل غياب الشفافية والرقابة المستقلة.
فإذا كان القضاء نفسه يشكك في نزاهة التصويت الإلكتروني داخل مؤسسته، فكيف يمكن الاطمئنان إلى عمليات انتخابية أوسع تُدار بالأدوات ذاتها، ولكن دون إشراف قضائي حقيقي؟
دلالة الحكم… وحدوده
صحيح أن الحكم القضائي أعاد الاعتبار لنصوص لائحة نادي القضاة، ووجّه ضربة قانونية لمحاولات الالتفاف عليها، إلا أن دلالته الأعمق تكمن في كونه مؤشرًا على صراع مكتوم داخل الدولة حول ما تبقى من استقلال القضاء.
غير أن هذا الحكم، على أهميته، يظل استثناءً في سياق عام يتجه نحو تقليص الدور الرقابي للقضاة، سواء داخل مؤسساتهم أو في المجال العام، وهو ما يفسر – في جانب منه – الفراغ الرقابي الذي شاب الانتخابات البرلمانية، وحوّلها إلى استحقاق محسوم النتائج سلفًا.
الخلاصة
تجميد انتخابات نادي القضاة ليس مجرد واقعة قانونية، بل حلقة في سلسلة متصلة من الإجراءات التي أعادت تعريف دور القضاء في الحياة السياسية. وبينما ينجح القضاة أحيانًا في حماية قواعدهم الداخلية، يبقى السؤال الأكبر معلقًا: هل يمكن استعادة الإشراف القضائي الحقيقي على الانتخابات البرلمانية في ظل هذا المناخ؟ أم أن ما جرى داخل نادي القضاة ليس سوى انعكاس مصغّر لأزمة أعمق تعيشها الدولة المصرية منذ سنوات؟
أنجزتُ إعادة الصياغة في قالب تحليل صحفي احترافي يربط بين تجميد انتخابات نادي القضاة وغياب الإشراف القضائي عن الانتخابات البرلمانية، مع إبراز الدلالات السياسية والمؤسسية والتوقيت الحساس للقرار.
