تجاوزت كل الخطوط الحمراء..أثيوبيا تتحدى السيسي وترفض التوقيع على اتفاق سد النهضة

- ‎فيتقارير

 

من وقت لآخر  تعود أزمة مياه النيل لتتصدر المشهد من جديد، خاصة مع تصاعد التصريحات الإثيوبية بشأن مستقبل إدارة الموارد المائية ومصير مفاوضات سد النهضة التي شهدت فشلا في كل مراحلها.  

وفي الوقت الذي تواصل فيه إثيوبيا تحديها لنظام الانقلاب بقيادة عبد الفتاح السيسي، وتؤكد حقها في التنمية ومواصلة بناء مشاريعها المائية على النهر، يحذر الخبراء من أن أديس أبابا تجاوزت كل الخطوط الحمراء، مشددين على أن حقوق مصر التاريخية لا ينبغي أن تكون محلًا للمساومة .

وقال الخبراء: "يجب على حكومة الانقلاب أن توجه رسالة واضحة إلى أثيوبيا تؤكد فيها أن المساس بحصة مصر في مياه النيل يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي والغذائي والسكاني، وأنها ستواجه هذه المحاولات بكل الوسائل ".  

كانت إثيوبيا قد اتهمت حكومة الانقلاب بأنها تتبع «عقلية استعمارية» وتسعى لزعزعة الاستقرار في القرن الإفريقي، مشيرة إلى أن السيسي يصر على احتكار مياه النيل عبر ما يسمى بالحقوق التاريخية التي تستند إلى معاهدات عفا عليها الزمن .

واتهمت وزارة الخارجية الإثيوبية، حكومة الانقلاب بإطلاق تصريحات مبطنة بالتهديد ورافضة للحوار، معتبرة أنها تعكس فشلًا في القيادة وعدم قدرة على استيعاب حقائق القرن الحادي والعشرين. 

وقالت: إن "حكومة الانقلاب  تعرقل المفاوضات بتكرار مزاعم احتكارية، داعية المجتمع الدولي لإدانة السلوك غير المسئول من جانب نظام الانقلاب".

وشددت الخارجية الإثيوبية على أن أديس أبابا غير مُلزَمة بطلب الإذن من أي جهة لاستخدام مواردها الطبيعية، في إشارة إلى النيل الأزرق الذي يشكل نحو 70% من مواردها المائية.  

 

القانون الدولي

 

 في هذا السياق أكد أستاذ تخطيط وإدارة الموارد المائية الدكتور علاء عبد الله الصادق، أن حقوق مصر التاريخية في مياه النيل غير قابلة للمساس تحت أي ظرف، مشيرًا إلى أن مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن سد النهضة وصل إلى مرحلة الجمود بسبب الإجراءات الأحادية والتعنت الإثيوبي. 

وقال الصادق في تصريحات صحفية: إن "أي تقليص لحصة مصر من المياه يعتبر تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي والغذائي والسكاني، مطالبا بضرورة الالتزام الصارم بالقانون الدولي الخاص بالأنهار العابرة للحدود، ورفض أي خطوات منفردة من الجانب الإثيوبي في إدارة وتشغيل السد". 

وطالب أثيوبيا لو كانت جادة في حل الأزمة باللجوء إلى التحكيم الدولي باعتباره مسارًا قانونيًا يعالج الخلافات ويضمن حقوق جميع الأطراف دون الإضرار بدولتي المصب. 

 

اتفاق ملزم 

 

وشدد الصادق على ضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد ملء وتشغيل سد النهضة، بحيث يتضمن آليات واضحة لمنع أي أضرار محتملة على مصر والسودان، مع ضمان تبادل بيانات فنيّة دقيقة حول منسوب المياه وكمياتها داخل وخارج السد، إضافة إلى التنسيق الكامل خلال فترات الفيضان والجفاف. 

وأشار إلى أنه يمكن إشراك جهات دولية محايدة أو آلية وساطة ذات ولاية فنية وقانونية، تكون قادرة على متابعة تنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه وضمان الالتزام بحقوق الدول الثلاث، بما يضمن استقرار إقليمي مستدام ويمنع تحول الخلاف إلى صراع مفتوح. 

وأكد الصادق أن مصر لا تستند لاتفاق واحد، بل إلى منظومة اتفاقيات تمتد منذ القرن التاسع عشر بمشاركة دول المنبع نفسها، وتتضمن نصوصًا واضحة بشأن الإخطار المسبق قبل تنفيذ أي مشروعات مؤثرة على تدفق المياه. 

وكشف أن طبيعة مصر الهيدرولوجية تجعلها أكثر هشاشة مقارنة بدول المنبع التي تمتلك مصادر متعددة، فيما تعتمد مصر على مصدر وحيد، لذلك، فإن المساس بحصتها هو مساس بحق الحياة. 

 

السيادة على النيل

 

وأكد الدكتور محمد نصر الدين علام، وزير الموارد المائية والري الأسبق، أن مصر لا تعارض التنمية في أفريقيا، بشرط ألا تأتي على حساب حقوقها المشروعة في مياه النيل. 

وقال علام في تصريحات صحفية: إن "إثيوبيا سبق أن شيدت سد "تكيزي" على نهر عطبرة دون إخطار مسبق، ورغم ذلك بقيت مصر ملتزمة بمبدأ التعاون، لكنها ما تزال تنتظر اتفاقًا قانونيًا ملزمًا بشأن ملء وتشغيل سد النهضة وفق إعلان المبادئ". 

وأضاف أن بعض الأطراف تسعى لفرض ما تسميه "السيادة على النيل"، في تجاوز للجغرافيا التاريخية ومبادئ العدالة والتشارك، مؤكدًا أن تلك الطروحات لا تستقيم مع قواعد القانون الدولي. 

واعتبر علام، أن ردود أفعال أثيوبيا يشوبها عدم احترام القانون الدولي، والتنصل من التزاماتها وعدم احترام أشقائها الأفارقة، مشددا على أن القانون الدولي ينص على عدم إقامة أية منشأ على نهر دولي إلا بعد إخطار مسبق للدول المشاركة في النهر والتأكد من عدم الإضرار بها. 

وأكد أن إثيوبيا أقامت عشرات المنشآت على النيل الأزرق وروافده بدون إخطار دول النهر أو التأكيد بعدم الإضرار بهم معربا عن دهشته من انتقاد إثيوبيا، مطالبة مصر بحقوقها التاريخية في نهر النيل .

وأشار علام إلى أن إثيوبيا لم تخطر مصر بسدها واستغلت ظروفها الداخلية في عام 2011 ووضعت حجر الأساس عنوة ومنذ ذلك الحين جرت جولات مفاوضات بدون طائل، وتعهدت أثيوبيا بدراسة تداعيات السد على مصر والسودان. 

 

قلب الحقائق

 

وقال الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام والأمين العام للجنة الدولية للدفاع عن الموارد المائية: إن "أديس أبابا تدرك تماما ضعف موقفها القانوني، لذلك تلجأ إلى قلب الحقائق والاتهامات الباطلة بدلا من الالتزام بالقانون الدولي والاتفاقيات الموقعة، داعيا المجتمع الدولي للتدخل العاجل لإجبار إثيوبيا على احترام التزاماتها القانونية وحماية حقوق دول المصب المشروعة، وضرورة الوصول إلى اتفاق قانوني ملزم بشان مواعيد الملء والتشغيل للسد، والحفاظ علي حقوق الأجيال القادمة". 

واعتبر مهران في تصريحات صحفية أن اتهام إثيوبيا لمصر بعرقلة المفاوضات يتناقض تماما مع المادة العاشرة من إعلان المبادئ، بينما إثيوبيا هي التي رفضت كافة الآليات القانونية الملزمة التي اقترحتها مصر على مدار 15 عاما من المفاوضات. 

ولفت إلى أن ادعاء إثيوبيا بأن لها حقا سياديا مطلقا في استخدام مياه النيل بحجة مساهمتها بنسبة 86% يتعارض تماما مع المادة السابعة من الاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة بشأن قانون الاستخدامات غير الملاحية للمجاري المائية الدولية لعام 1997، التي تنص على التزام دول المجرى المائي بعدم التسبب في ضرر ذي شأن لدول المجرى المائي الأخرى، مشددا على أن هذا المبدأ يعلو على أي ادعاءات بالسيادة المطلقة.