عقود استعباد.. عمال الدليفري بدون حماية قانونية بزمن السيسى ؟

- ‎فيتقارير

 

عمال الدليفري يواجهون تحديات كبيرة في عملهم حيث تصل ساعات العمل اليومي إلى أكثر من 12 ساعة ويتعرض العامل لخصومات وجزاءات لا تتوقف، وفي المقابل لا يحصل على حقوقه في الراتب والأجر والحوافز .

وتكشف التقارير أن 63% من عمال التوصيل تعرضوا لحوادث وإصابات خلال العمل، بينما حصل 2% فقط على تعويضات، وسط انتشار عقود استعبادية وإيصالات أمانة وغياب شبه كامل للتأمين والرقابة. 

غالبية مندوبي التوصيل يعملون من دون عقود أو حماية قانونية بجانب الحرمان من التأمينات الصحية والاجتماعية والانتهاكات التي يتعرضون لها بسبب غياب المظلة القانونية، ويتقاضى العمال أجورهم وفق نظام “الباتشات” الذي يربط الدخل بسرعة التوصيل وتقييم العملاء، ما يتيح للشركات خصومات غير مبررة.  

وتمارس شركات التوصيل انتهاكات بحق سائقيها، عبر تصنيفهم “عاملين مستقلين” لا موظفين وهذا التصنيف يمنح الشركات فرصة للتنصل من مسؤولياتها تجاه العمال، في ما يخص التأمينات الاجتماعية والتعويضات عن الحوادث، ويفتح الباب أمام فرض ظروف عمل قاسية من دون حماية قانونية.  

ويعتمد هذا النمط من التشغيل على ثغرات قانونية، مستفيدًا في الوقت نفسه من ضعف الرقابة الرسمية على ممارسات تلك الشركات. 

 

طلبات

 

وتُعد شركة “طلبات” من أبرز شركات توصيل الطعام والتجارة الإلكترونية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث تعمل في الكويت والإمارات وقطر والبحرين وعُمان ومصر والأردن والعراق.

وتتصدر الشركة السوق من حيث حجم العملاء والشركاء والنطاق الجغرافي؛ إذ تمتلك أكثر من ستة ملايين عميل نشط، و65 ألف شريك نشط، وتتعاون مع نحو 56 ألفاً و300 مطعم وتسعة آلاف و500 متجر، وتغطي خدماتها أكثر من 155 نوعًا من المطابخ والمنتجات، عام 2015، استحوذت الشركة الألمانية “ديليفري هيرو” على شركة “طلبات”. 

في عام 2013، بلغ عدد المندوبين المسجلين على منصة “طلبات” قرابة 14 ألف مندوب، في حين يصل عددهم حاليًا إلى نحو 25 ألفاً، موزعين على 25 مدينة.

كما تدير الشركة 12 فرعًا لمتاجر البقالة التابعة لها تحت اسم “طلبات”، بحسب تصريحات للمديرة التنفيذية للشركة، هدير شلبي، أواخر عام 2024. 

 

ورغم هذه القوة السوقية، شهدت الشركة في مصر احتجاجات عديدة من عمالها. ففي أبريل 2022، أضرب عدد من المندوبين رفضًا لسياسة الأجور بعد ارتفاع سعر الدولار؛ ما دفع الإدارة إلى منح مكافآت مؤقتة شملت 250 جنيهاً أسبوعيًا لكل 45 ساعة عمل، و400 جنيه أسبوعيًا لكل ستين ساعة عمل، و600 جنيه أسبوعيًا لكل 80 ساعة عمل. 

 

عجز جسدي

 

حول التحديات التي يواجهها العاملون في هذه الشركات قال أحمد طارق يعمل بشركة “طلبات” : في شهر سبتمبر 2023 كنت أقود دراجتي النارية متوجهًا إلى عملي، وفجأة، ظهرت أمامي سيارة سوداء بلا لوحات، تسير بسرعة مشيرا إلى أنه حاول الانحراف بدراجته لتفاديها، لكنّ السيارة صدمته وقذفته أمتارًا على الإسفلت قبل أن يلوذ سائقها بالفرار. 

وأشار طارق في تصريحات صحفية إلى أن قدمه اليسرى تهشمت بالكامل ونُقل إلى المستشفى، وخضع لـ 18 عملية جراحية بلغت تكلفتها أكثر من 800 ألف جنيه، مؤكدا أن تلك العمليات لم تُنهِ معاناته؛ فما زال يعاني عجزًا حرمه القدرة على المشي وممارسة أي عمل. 

وأوضح أنه رغم اقتطاع الشركة مبلغًا شهريًا من راتبه، على مدار خمس سنوات، مقابل التأمين الصحي، إلا أنها رفضت تحمّل مسئولية الحادث أو تغطية تكاليف علاجه مشيرا إلى أن الشركة دفعت له 50 ألف جنيه ودفع هو الباقي.

وأضاف طارق : أول عملية تكلفت 68 ألف جنيه وبعد الخصم بلغت نحو 64 ألفاً و500 جنيه، لافتا إلى أنه بعد هذه العملية أجرى 18 عملية آخرى ولم تدفع الشركة له شيئا .

 

مكتب العمل

 

وأعرب عن أسفه لأن مشكلته لم تتوقف عند حدود العجز الجسدي، بل امتدت إلى مصدر رزقي حيث أجبرتني الشركة على ترك العمل قائلا : “كلمتهم كتير، يقولوا لي اللي عندك اعمله إحنا معانا الفلوس والمحامين”. 

وأشار طارق إلى أن أسرته اضطرت إلى إنفاق ما تبقى من مدخراتها، وشارك الجيران في جمع التبرعات لتغطية فواتير العلاج.

وتابع : رجلي كانت مفرومة خالص، محتاجة تتبتر، فأنا وأهلي ما وافقناش، وعندي الناس كلها هنا في المنطقة لمت من بعض عشان تقف معايا معربا عن صدمته حينما لجأ إلى مكتب العمل لتقديم شكوى، فواجه إنكارًا من الشركة، مدعية أنه ليس من موظفيها. 

 

عقد عمل

 

وقال رامي حسن: إنه "بدأ العمل في فبراير 2024 لصالح شركة “طلبات” عبر مكتب وسيط، بعد أن أُجبر على توقيع إيصال أمانة بقيمة 20 ألف جنيه، مشيرا إلى أنه لم يحصل على عقد عمل أو راتب ثابت، بل يُحاسب بالعمولة وفق عدد الطلبات والمسافات، حيث تصل ساعات عمله إلى 12 ساعة يوميًا، مقابل أجر لا يتجاوز 28 جنيهاً للتوصيلة.  

وأكد حسن في تصريحات صحفية أنه كحال غالبية زملائه، يعمل من دون أي حماية قانونية أو تأمينية، باستثناء بطاقة رعاية صحية من شركة “ميديكال جروب” تتيح خصومات على بعض الخدمات الطبية، نظير “استقطاعات” شهرية من الأجر، غير أن هذه البطاقة لا تعوض غياب التأمين الصحي . 

وأشار إلى كيف تعرض لخصم من راتبه بسبب شكوى من عميل اتهمه بتلقي مبلغ زائد، من دون أن تفتح الشركة تحقيقًا مؤكدا أن الشركات غالبًا ما تلجأ إلى خصم أو خفض التقييم عند أي شكوى، حتى وإن كانت بلا دليل.  

 

بريد فاست

 

ولفت حسن إلى أنه سبق أن عمل لدى “بريد فاست” في يناير 2024 براتب قدره أربعة آلاف جنيه، لكنّه اكتشف أن التأمينات الاجتماعية سُجلت على أساس ألف و700 جنيه فقط.

وأكد أنه خلال فترة علاجه، أُجبر على العمل في أيام إجازاته الأسبوعية وحُرم من إجازاته المرضية، في مخالفة للمادة 131 من قانون العمل ، التي تمنح العامل إجازة تحددها الجهة الطبية المختصة، ويستحق عنها تعويض أجر وفقاً لقانون التأمينات الاجتماعية. 

وكشف حسن عن ممارسات مشرفيه (الكورديناتور)، الذين يفرضون على العمال شراء وتوصيل طلبات شخصية -مثل الطعام والسجائر- على نفقتهم الخاصة، مقابل إدخالهم في طلبات العمل موضحا أنه عندما اشتكى للإدارة، اضطر إلى تقديم استقالته خشية استخدام إيصال الأمانة ضده، الذي قد وقعه عند استلام العمل بقيمة 20 ألف جنيه. 

 

محاباة

 

وقال “هيثم محمد”، يعمل بشركة “بريد فاست” : تعرضت لاعتداء جسدي ولفظي من عناصر أمن أحد المجمعات السكنية بالتجمع الثالث في يوليو 2024، مشيرا إلى أنه فوجئ بأن الشركة تعاقبه بخصم أجر ثلاثة أيام (700 جنيه) بعد شكوى العميلة، من دون تحقيق في الواقعة رغم وجود كاميرات مراقبة .

وأشار محمد في تصريحات صحفية إلى أن هناك محاباة في توزيع الطلبات داخل الشركة، وتفضيل بعض العمال على حساب آخرين، مؤكدا أن غياب الأمان الوظيفي أصبح سمة أساسية؛ إذ يتم تعيين سائقين جدد ثم تسريحهم سريعًا.