استخدم البيان الرسمي الصادر عن قصر الاتحادية بالقاهرة لغة غير مسبوقة عقب لقاء عبدالفتاح السيسي رئيس الانقلاب بقائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان، معلنًا أن وحدة السودان خط أحمر، وأن أي محاولة للانفصال أو إقامة دولة موازية ستُعتبر تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري. الجديد كان التلويح باتفاقية الدفاع المشترك، ما يمنح القاهرة غطاءً قانونيًا للتدخل العسكري المباشر إذا تعرضت مؤسسات الدولة السودانية أو وحدة أراضيها للخطر. اللقاء هو الثاني بعد اجتماع البرهان بمسعد بولس في الرياض بحضور ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، فضلًا عن زيارته إلى قطر ضمن جولته العربية.
المحور الثاني: رؤية ترامب للشرق الأوسط الجديد
أكدت مصر دعمها لخارطة طريق "تصفير النزاعات"، في إشارة إلى رغبتها في إنهاء ملف السودان عبر تفكيك الميليشيات أو دمجها، بما يتوافق مع توجه واشنطن نحو الاستقرار السريع. بذلك تكسب القاهرة دعم القوة العظمى الأولى لخطواتها المقبلة.
المحور الثالث: القرن الأفريقي وحوض النيل
شدد البيان على رفض الإجراءات الأحادية في ملف سد النهضة، مؤكداً أن مصر والسودان أصبحا كتلة واحدة في مواجهة أي تهديد لمقدرات النيل.
دوافع تأييد خطة ترامب
يبدو أن اتفاقية الدفاع المشترك التي أعلنها السيسي يوم الخميس 18 ديسمبر في قصر الاتحادية، جاءت متزامنة مع تأييد عام لخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن السودان، في وقت لم يتضمن البيان إدانة مباشرة لجرائم مليشيات الدعم السريع المدعومة من الإمارات، والتي أبدت حكومة البرهان استعدادها للقاء في نيويورك مع أبوظبي للتفاوض حول الملف السوداني.
خطة ترامب تقوم على منع أي انتصار حاسم أو فوضى ممتدة، بالتأكيد على أن الحرب لن تُحسم عسكريًا، والدفع نحو مسار تفاوضي ينسجم مع رغبة مصر في استقرار جوارها الجنوبي ومنع تحوّل السودان إلى ملاذ للشبكات العابرة للحدود. كما يدعم ترامب إطارًا دوليًا منسقًا (الرباعية: واشنطن، السعودية، الإمارات، مصر) يمنح القاهرة نفوذًا وتوازنًا إقليميًا في إدارة الملف السوداني، رغم رفض حكومة السودان إدماج أبوظبي في هذا المسار.
المقصد: الإخوان المسلمون
يبدو أن البرهان عرض على السيسي صيغة لإخفاء العناصر المرتبطة بالإخوان المسلمين في السودان، ضمن إعلان تشديد القيود والتوجه نحو وضع التنظيم على لائحة الإرهاب، بما يضيّق على شبكاته المالية والدعوية. هذا المحور يتلاقى فيه الموقف المصري مع الرؤية الأميركية المعلنة.
أقل ما يريده السيسي هو قطع الملاذات والتمكين السياسي، واعتبار الساحة السودانية إحدى آخر البيئات التي احتفظت فيها الجماعة بنفوذ بعد خسائرها الإقليمية، ما يدفع القاهرة لتأييد أي بند يحدّ من إعادة تموضعها هناك.
أشار مراقبون إلى أن التركيز على تعطيل القنوات الاقتصادية والخيرية التي تُستخدم كواجهات، وتقوية أدوات الرقابة المالية والعقوبات الذكية، يلائم نهج القاهرة في تقليل نفوذ الشبكات المرتبطة بالإخوان داخل السودان.
أبرز عناصر الخطة التي تؤيدها القاهرة
– وقف فوري لإطلاق النار دون شروط مسبقة، مع مسار سياسي داخلي يقلل المخاطر الأمنية على الحدود ويهيئ لعملية انتقال منضبطة.
– إطار رباعي–دولي للمتابعة يمنح مصر غطاءً إقليميًا لتفعيل أدوات أمنية وحدودية وإنسانية دون الانجرار لصدامات مباشرة.
– عقوبات مالية انتقائية تستهدف شبكات الإخوان والمتعاونين معها داخل السودان وخارجه، بما يشمل شركات واجهة وتحويلات خارجية.
– تحييد الملاذات الأيديولوجية ودعم ترتيبات أمنية وإدارية تحد من إعادة تمركز الجماعة في ولايات هشة.
ما يمكن أن تتدخل به مصر دعمًا للخطة
– تعزيز الرقابة الحدودية المشتركة وتكثيف الدوريات والتقنيات الأرضية والجوية في المثلث الحدودي.
– ضبط الممرات الإنسانية وفتح نقاط استقبال للجرحى والمدنيين وفق قوائم وتنسيق أممي.
– حماية خطوط الإمداد في البحر الأحمر ضمن تعاون مصري–سعودي لتأمين الممرات البحرية.
– مشاركة قواعد بيانات عن الوسطاء الماليين وشركات الواجهة وربطها بأنظمة تتبع التحويلات وتجميد الحسابات.
– تقديم برامج تدريب إداري–أمني لكوادر سودانية على الإدارة المدنية وخدمات الجمهور بمعايير نزاهة.
– إسناد فني للمعابر والبلديات بفرق مصرية مختلطة لتتبع السلع والدواء وتقليل التلاعب بسلاسل الإمداد.
– آليات مراقبة الالتزام بالهدنة عبر مراقبين تقنيين ومسيرات استطلاع محدودة المهام.
– دعم مسارات عدالة انتقالية عبر توثيق الانتهاكات وبناء قضايا قانونية ضد معرقلي العملية السياسية.
خطة ترامب تجاه السودان
خلص مراقبون إلى أن تأييد مصر لخطة ترامب تجاه السودان ينبع من اعتبارات أمنية وحدودية وإقليمية، ويتقاطع بوضوح مع مسعى تضييق نفوذ الإخوان المسلمين عبر التصنيف وملاحقة التمويل والواجهات التنظيمية.