استمراراً لسياسات التفريط المنهجي في الأصول الاستراتيجية .. هل يدفع السيسي بمصر نحو التبعية الاقتصادية والسياسية؟

- ‎فيتقارير

أعاد إعلان الحكومة المصرية عزمها طرح إدارة وتشغيل المطارات أمام تحالفات أجنبية ومحلية، فتح واحد من أخطر ملفات السيادة والأمن القومي في البلاد، في خطوة اعتبرها مراقبون استمراراً لسياسات التفريط المنهجي في الأصول الاستراتيجية، تحت لافتة “الإصلاح الاقتصادي” وجذب الاستثمار.

ففي 20 ديسمبر/كانون الأول 2024، أعلن رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي أن تحالفاً فرنسياً – مصرياً يجري مشاورات مع وزارة الطيران المدني، للاتفاق على رؤية واضحة لإدارة عدد من أهم المطارات المصرية، وفي مقدمتها مطار القاهرة الدولي، وسفنكس، والعلمين، وشرم الشيخ، والغردقة، على أن تمتد التجربة لاحقاً إلى مطارات الأقصر وأسوان، ثم تعمم على نحو 20 مطاراً مملوكاً للدولة، إضافة إلى مطار العاصمة الإدارية الجديدة، ومطارات تشارك القوات الجوية في أصولها، من بينها مطار العريش ومرسى مطروح.

 

مطارات تحت الإدارة الأجنبية… سابقة خطيرة

ورغم تأكيد الحكومة أن الخطوة لا تعني “بيع الأصول”، فإن خبراء في شئون الأمن القومي يرون أن إدارة المطارات لا تقل خطورة عن امتلاكها، باعتبارها منشآت سيادية شديدة الحساسية، ترتبط بحركة الطيران المدني والعسكري، والبيانات الأمنية، والمجال الجوي، وحدود الدولة.

ولا تعرف الدول ذات السيادة الحقيقية نموذجاً تضع فيه مطاراتها الدولية – خصوصاً الواقعة في مناطق استراتيجية مثل سيناء والبحر الأحمر – تحت إدارة كيانات أجنبية، مهما كانت المبررات الاقتصادية، إذ تمثل المطارات خط الدفاع الأول عن الأمن القومي، وليس مجرد مرافق خدمية أو تجارية.

 

من الخصخصة إلى التبعية

الخطوة تأتي في سياق أوسع من بيع وتأجير الأصول العامة، شمل الموانئ، والأراضي، وشركات القطاع العام، ما أدى – وفق اقتصاديين – إلى تعميق التبعية المالية والسياسية، خصوصاً لدول بعينها مثل الإمارات، وإلى حد غير معلن لإسرائيل، عبر شبكات استثمار وشراكات إقليمية عابرة للسيادة الوطنية.

ويرى مراقبون أن النظام الحالي لا يتعامل مع الدولة باعتبارها كياناً سيادياً، بل كـ”شركة مفلسة” تُعرض أصولها واحدة تلو الأخرى لسد فجوات الدين، الذي أقر مدبولي نفسه بأن نسبته بلغت 44% من الناتج المحلي الإجمالي، في ظل عجز مزمن عن إنتاج حلول اقتصادية حقيقية.

 

تناقض الرواية الرسمية

وخلال جولة تفقدية بمطار القاهرة الدولي، دافع وزير الطيران المدني سامح الحفني عن خطة خصخصة إدارة المطارات، مؤكداً أن “السيادة ستظل للدولة”، وأن دور الشركات الخاصة سيقتصر على الإدارة والتشغيل التجاري.

إلا أن هذا الطرح يتناقض مع واقع التجارب السابقة، حيث تحولت الإدارة مع الوقت إلى نفوذ فعلي، وقرارات تشغيلية تمس الأمن والخدمات والأسعار، كما حدث في قطاعات أخرى جرى “تطويرها” بالمنطق ذاته، وانتهت بتحميل المواطن أعباءً إضافية، من بينها رفع رسوم مغادرة المطارات إلى 25 دولاراً.

 

مطارات بلا سيادة… واقتصاد بلا رؤية

وتكشف الخطة الحكومية عن غياب رؤية وطنية لإدارة الأصول الاستراتيجية، مقابل اعتماد مفرط على الشراكات الخارجية، حتى في القطاعات التي تمثل شرياناً حيوياً للدولة. فبدلاً من إصلاح الإدارة، ومحاربة الفساد، وتمكين الكفاءات الوطنية، يجري تسليم مفاصل الدولة إلى مستثمرين أجانب، بدعوى تحسين الكفاءة وجذب السياحة.

ويذهب محللون إلى أن السؤال لم يعد: هل ستباع المطارات؟ بل هل جاء السيسي لإسقاط مصر اقتصادياً وسياسياً، وتحويلها إلى دولة تابعة بلا قرار مستقل؟

في ظل هذه السياسات، يبدو أن الأمن القومي لم يعد خطاً أحمر، بل بند قابل للتفاوض، وأن السيادة الوطنية باتت تُجزأ وتُدار بعقود، في مشهد يختزل أزمة دولة تُدار بعقلية البيع لا البناء.