تعنّت السلطة وملف المعتقلين في مصر.. حسابات الأمن أم اصطفاف إقليمي؟

- ‎فيتقارير

رغم تصاعد المطالبات الحقوقية والإعلامية والإنسانية بالإفراج عن المعتقلين وسجناء الرأي في مصر، لا تزال السلطة الانقلابية تتعامل مع هذا الملف بمنطق الإغلاق الكامل، دون أي مؤشرات على مراجعة أو تغيير، ما يثير تساؤلات عميقة حول دوافع هذا التعنّت المستمر، وحدود ارتباطه بحسابات داخلية وإقليمية ودولية تتجاوز الاعتبارات الإنسانية والقانونية.

وقبيل حلول شهر رمضان الماضي، تجددت النداءات المطالبة بفتح هذا الملف، حيث ناشد الداعية المصري العوضي  عبد الفتاح السيسي “مدّ يده بالعفو والرحمة إلى الأسر المصرية التي تعيش على أمل اللقاء”، فيما عبّر الإعلامي عمرو أديب عن أمله في “عودة الإفراج عن سجناء الرأي”، وطالب نقيب الصحفيين خالد البلشي بالإفراج عن 25 صحفيًا على الأقل قبل الشهر الكريم.

كما وجّهت منظمة العفو الدولية، في شباط/فبراير الماضي، نداءً عاجلًا للسلطات المصرية للإفراج الفوري عن عشرات المعتقلين تعسفيًا، الذين جرت ملاحقتهم بتهم “إرهابية” على خلفية نشرهم محتوى إلكترونيًا يدعو لإنهاء حكم السيسي.

ورغم اتساع دائرة هذه المطالبات وتنوّع الجهات الصادرة عنها، لم تستجب السلطة لأي منها، ولم تُبدِ أي إشارات رسمية توحي بوجود نية لمعالجة هذا الملف، وهو ما دفع مراقبين إلى اعتبار أن سياسة الإبقاء على المعتقلين باتت جزءًا بنيويًا من منظومة الحكم، لا ملفًا استثنائيًا قابلًا للحل.

 

أزمة ممتدة ومعاناة جماعية

في هذا السياق، يؤكد محامٍ مصري، فضّل عدم ذكر اسمه، أن “قضية المعتقلين تمثل الأزمة الأكثر قسوة على أكثر من خمسة ملايين مصري، هم أسر وأقارب ما يقرب من 60 ألف معتقل منذ انقلاب تموز/يوليو 2013”، مشيرًا إلى أن هذه المعاناة الممتدة لأكثر من 12 عامًا “استنزفت طاقة الأهالي نفسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا”.

ويستبعد المحامي استجابة السلطات لأي مبادرات إنسانية، لافتًا إلى استمرار حملات الاعتقال، وإن بوتيرة أقل من السنوات الأولى، مع وجود أكثر من ألف فتاة معتقلة حاليًا، فضلًا عن تشريد أبناء المعتقلين، وملاحقتهم أمنيًا خشية انخراطهم في أي نشاط معارض.

ورغم إقراره بأن بعض المبادرات لا تشمل الغالبية العظمى من معتقلي التيار الإسلامي، وعلى رأسهم أنصار الرئيس الراحل محمد مرسي وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين، إلا أنه شدد على أن “استمرار الضغط على هذا الملف واجب الوقت، مهما كانت الفئة المستهدفة”.

 

لماذا تُعد المطالبات ضرورية؟

من جانبه، يرى السياسي  محمد عماد صابر أن نظام السيسي يتعمد خنق ملف المعتقلين وتحويله إلى أداة ردع جماعي، عبر إبقاء المعارضين خلف القضبان بوصفهم رسالة ترهيب دائمة للمجتمع بأسره.

ويؤكد أن المطالبة المستمرة بالإفراج عن المعتقلين تكتسب أهمية خاصة لثلاثة أسباب رئيسية: أولها منع تمييع القضية أو نسيانها، وثانيها ممارسة ضغط متواصل على النظام أمام شركائه الإقليميين والدوليين، وثالثها كشف صورة دولة تعاني من غياب العدالة واستقلال القضاء، ما ينعكس سلبًا على مناخ الاستثمار والسياحة.

 

أربعة مؤشرات على استمرار الرفض

أما الحقوقي المصري محمد زارع، مدير المنظمة العربية للإصلاح الجنائي، فيستبعد حدوث أي انفراجة قريبة، مستندًا إلى أربعة مؤشرات أساسية، أبرزها أن المطالبات بالإفراج عن المعتقلين تتكرر منذ أكثر من 12 عامًا دون استجابة، وغياب أي ترتيبات رسمية أو قانونية تمهّد لمعالجة الملف، مثل تشكيل لجان أو إعداد قوائم إفراج.

ويضيف أن غياب الضغوط السياسية الداخلية، في ظل عدم وجود استحقاقات انتخابية قريبة، يقلل من احتمالات اتخاذ قرارات تهدئة، فضلًا عن استمرار التضييق على حرية الرأي والتعبير، كما يظهر في وقائع استدعاء وتحقيق مع كتاب ومثقفين خلال الفترة الأخيرة.

 

مشهد حقوقي قاتم

في موازاة ذلك، تتواصل الانتهاكات بحق المعتقلين وذويهم، لا سيما النساء، حيث شهدت الأسابيع الماضية اعتقال زوجات وأقارب معتقلين سياسيين، في سياسة يرى حقوقيون أنها تهدف إلى كسر إرادة الأسر وإرهاب البيئة الاجتماعية المحيطة بالمعارضة.

وفي تقرير حديث، وثّقت منظمة “Human Rights Egypt” وفاة 54 معتقلًا داخل السجون المصرية خلال عام 2025، نتيجة الإهمال الطبي المتعمد أو التعذيب، في مؤشر خطير على تدهور الأوضاع الحقوقية داخل أماكن الاحتجاز.

 

بين الداخل والإقليم

ويطرح مراقبون تساؤلات حول ما إذا كان هذا التعنّت يعكس فقط اعتبارات أمنية داخلية، أم أنه جزء من اصطفاف إقليمي أوسع، يتقاطع مع سياسات مناهضة للإسلام السياسي، تشارك فيها أطراف إقليمية فاعلة، ويُعاد إنتاجها دوليًا عبر الضغط لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية.

في المحصلة، يبدو أن ملف المعتقلين في مصر لم يعد مجرد قضية حقوقية، بل تحوّل إلى ورقة سياسية مركزية في بنية النظام، تُستخدم لضبط المجال العام، وإدارة التوازنات الداخلية والإقليمية، على حساب العدالة وحقوق الإنسان، ومع استمرار هذا النهج، تتفاقم الكلفة الإنسانية، بينما تظل احتمالات الانفراج مؤجلة إلى أجل غير معلوم.