قالت دراسة ميدانية: إن من أهم أسباب الركود في صناعة الأثاث بالمحافظة والمحافظات القريبة كان ارتفاع أسعار الخامات، ومشكلة التسويق، وتكاليف المشاركة في المعارض الكبيرة، وهي مشكلات لم تُعالجها المدينة الجديدة(مدينة دمياط للأثاث) التي أنشأها زعيم الانقلاب عبدالفتاح السيسي عام 2019 بهدف إنعاش الصناعة، إلا أن الأرقام تشير إلى أن المشروع لم يحقق الأثر المرجو، بل ارتبط بفترة تراجع صادرات الأثاث بنسبة تفوق 57% مقارنة بعام 2010".
ومشروع مدينة دمياط للأثاث الذي افتتح عام 2019 على مساحة 331 فدانًا كلفه السيسي على الورق تكلفة تجاوزت 207 مليارات جنيه، ولم يحقق الأثر المرجو في إنعاش الصناعة في حين كان يسخر من أحد نواب دمياط بقوله "أنت دارس الكلام اللي أنت بتقوله .. أنت مين أنت مين".
ومن جانبهم، أكد خبراء أن المدينة لم تُعالج المشكلات الهيكلية للصناعة، بل ساهمت في إضعاف الورش الصغيرة التقليدية.
وتشهد صناعة الأثاث في دمياط، التي كانت تُعرف بـ"قلعة الأثاث المصرية"، تراجعًا حادًا في الإنتاج والصادرات خلال العقد الأخير، حيث أدى انخفاض صادرات الأثاث إلى إغلاق آلاف الورش الصغيرة، وتغيير آلاف العمال المهن التي احترفوها وكانت مرتبطة بالأساس نتيجة ارتفاع أسعار
المواد الخام وتراجع الطلب المحلي والخارجي.
في حين أنه قبل 2011 لطالما ارتبط اسم محافظة دمياط بصناعة الأثاث، حيث كانت تضم أكثر من 40 ألف ورشة يعمل بها نحو نصف مليون صانع وحرفي، فكانت مركزًا رئيسيًا لهذه الصناعة في مصر والشرق الأوسط، والأثاث الدمياطي تميز بجودة الصنعة والإبداع الفني، ما جعله مقصدًا للأسواق المحلية والدولية.
وفي عام 2010 بلغت صادرات الأثاث المصري نحو 460 مليون دولار، وكان سعر صرف الجنيه المصري آنذاك حوالي 5.8 جنيه للدولار، ما جعل المنتجات المصرية أكثر تنافسية.
وكانت دمياط تحتفظ بريادتها، حيث كانت الورش الصغيرة والمتوسطة قادرة على المنافسة بفضل انخفاض تكلفة الإنتاج وتوافر الأخشاب المستوردة بأسعار معقولة.
وفي عام 2024 تراجعت صادرات الأثاث إلى 292 مليون دولار فقط، أي بانخفاض 57.5% مقارنة بعام 2010، ووصل سعر صرف الجنيه وصل إلى نحو 51 جنيهًا للدولار، ورغم ذلك لم تتحسن القدرة التنافسية بسبب ارتفاع أسعار المواد الخام المستوردة.
وقال صُنّاع: إن "آلاف الورش أغلقت أبوابها نتيجة قفزات أسعار الأخشاب والدهانات، إضافة إلى سياسات التقشف وتحرير سعر الصرف".
وداعا دمياط
الصحفي الدمياطي محمدين برغوت وبعنوان "وداعًا دمياط… يابان مصر بين الانهيار وسوء الاختيار" أكد أن دمياط تواجه الحقيقة القاسية: الورش أُغلقت، الأسر تُطاردها البنوك، والصنّاع فقدوا مصدر رزقهم. ليست القضية شماتة، بل دعوة للمراجعة الصادقة، إن لم تحدث وقفة جادة، فقد تتحول "يابان مصر" من رمز للصنعة والعمل إلى مجرد ذكرى تُروى بحسرة، والسؤال الملح: هل نتعلم من التجربة، أم نكرر الخطأ مرة أخرى؟
وأوضح أن دمياط لم تكن مجرد محافظة، بل رمزًا للصنعة والالتزام، حتى لُقبت يومًا بـ"يابان مصر". هذا اللقب لم يكن شعارًا عاطفيًا، بل توصيفًا لمدينة عاشت على الحرفة، وصنّاعها كانوا عنوانًا للجودة والشرف المهني، وأثاثها دخل البيوت المصرية والعربية دون حاجة إلى دعاية.
واستدرك " المشهد اليوم تغيّر جذريًا، الورش تغلق أبوابها، المصانع الصغيرة والمتوسطة تخرج من السوق، العمالة تُشرّد، والصنّاع يهاجرون بحثًا عن لقمة العيش، صناعة عمرها قرون تنزف بصمت، والثمن تدفعه آلاف الأسر التي ارتبطت حياتها بهذه المهنة.".
وحذر من أن " الأزمة ليست عابرة ولا مجرد ركود موسمي، بل نتيجة تراكم سنوات من السياسات الخاطئة وغياب الرؤية، ووعود تنموية لم تتحقق. مشروع المدينة الصناعية للأثاث، الذي رُوّج له كمنقذ، تحول إلى عبء جديد، حيث دخل كثير من الحرفيين في دوامة القروض والديون، بينما من باع الوهم خرج سالمًا".
https://www.facebook.com/photo/?fbid=3247770202044270&set=a.696173187203997
وتوجه "برغوت" إلى أهل دمياط، بنداء "جزء كبير مما وصلتم إليه اليوم فعلتموه بأنفسكم، ساندتم من باع مقدّرات البلد، من خدعكم باسم المدينة الصناعية، وضحك عليكم بوعود الرخاء، فدخلتم خلفه في دوّامة القروض، حتى غرقتم في الديون والمشاكل.".
وعن السيسي أوضح "هو أخذ المال وخرج سالمًا، وترككم في مواجهة البنوك، والأقساط، والحساب، والسجون، الورش أُغلقت، والصنّاع شُرّدوا، والأسر تُطاردها الديون، بينما من باع الوهم لا يدفع الثمن."
.
واتفق معه محمد هندي Mohamed Hendy "السيسي هو السبب فين المشروع اللي كلف مليارات في دمياط وفشل مصر ضاعت خلاص بسببه ولحد امتي".
تفسير اقتصادي للظاهرة
وفي تصريحات صحفية، قال الخبير الاقتصادي محمد سيد أحمد: إن "تراجع صادرات الأثاث رغم انخفاض قيمة الجنيه يعكس خللًا هيكليًا في الصناعة، حيث لم تستطع دمياط الاستفادة من ميزة انخفاض التكلفة بسبب ارتفاع أسعار المواد الخام المستوردة، وضعف البنية التحتية التسويقية، وغياب الدعم الحكومي الفعّال".
واشارت الباحثة ياسمين فكري ياسين الخضري في تقرير منشور إلى أن الأزمة تعود أيضًا إلى غياب سياسات صناعية واضحة، وعدم دمج الورش الصغيرة في منظومة حديثة قادرة على المنافسة عالميًا.
ومن مظاهر الانهيار؛ إغلاق الورش الصغيرة والمتوسطة التي كانت العمود الفقري للصناعة، وانتشار سماسرة الموبيليا الذين يشترون المنتجات بأسعار بخسة من الحرفيين، ما أدى إلى تراجع دخلهم، وضعف الطلب الخارجي رغم انخفاض قيمة الجنيه، بسبب المنافسة الشرسة من الصين وتركيا، وتراجع الإبداع الفني نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة، حيث يعمل الحرفيون بأجر لا يكفي حد الكفاف، وترحيل العمالة الماهرة إلى قطاعات أخرى أو الهجرة خارج البلاد بحثًا عن فرص أفضل.
ويرى الخبراء أن الحل يكمن في إعادة هيكلة القطاع، دعم الورش الصغيرة، توفير المواد الخام بأسعار مناسبة، وتطوير قنوات تسويق دولية تعيد للأثاث الدمياطي مكانته التاريخية.