يبدو أن معبر رفح لم يعد مجرد قضية حدودية، بل تحوّل إلى انعكاس مباشر لصفقة الغاز التي باتت أداة ضغط سياسي وأمني على مصر، لدفعها إلى قبول صيغة إسرائيلية أحادية تسمح فقط بخروج الفلسطينيين من غزة دون السماح بالدخول، في خطوة تُقرأ فلسطينيًا وعربيًا كنوع من الرضوخ.
وقالت صحيفة معاريف بالنص:
"على خلفية المصادقة على اتفاق الغاز بين إسرائيل ومصر، علمت صحيفة «معاريف» أنه يُتوقع أن يدفع رئيس الوزراء نتنياهو قدمًا بخطوة سياسية–أمنية لفتح معبر رفح للخروج فقط، بما يتيح لسكان قطاع غزة الخروج إلى الأراضي المصرية. يُنظر إلى هذه الخطوة في القدس على أنها جزء من جهد أوسع للاستفادة من اتفاقيات الغاز مع القاهرة من أجل اتخاذ تدابير سياسية وأمنية تكميلية في الساحة الجنوبية (…) وبحسب مصادر مطلعة على الأمر، فإن التطورات الأخيرة في العلاقات الإسرائيلية–المصرية تخلق الآن بنية تحتية سياسية أكثر ملاءمة لممارسة الضغط على مصر –وخاصة من قبل واشنطن– للموافقة على فتح المعبر للخروج فقط، بعد فترة طويلة من تعثّر القضية بسبب الاعتبارات الأمنية والحساسيات الإقليمية".
وطالب المحلل السياسي ياسر الزعاترة @YZaatreh بالردّ على ما نشرته الصحيفة إذا كان غير صحيح.
ورغم ذلك، لم يصدر عن الجانب المصري أي رد رسمي مباشر بشأن ما نشرته معاريف حول فتح معبر رفح "للخروج فقط" وربط ذلك باتفاق الغاز. لكن تقارير متعددة (سكاي نيوز عربية، الديار، الشرق الأوسط) أكدت أن القاهرة تعتبر أي فتح أحادي للمعبر "خطًا أحمر" خشية التهجير وتغيير التركيبة الديموغرافية في غزة. في المقابل، أشارت هذه التقارير إلى أن واشنطن وإسرائيل تستخدمان اتفاق الغاز كأداة ضغط سياسي وأمني على مصر.
وكشف تقرير لصحيفة زمان العبرية أن صفقة الغاز الأخيرة بين إسرائيل ومصر جاءت بدفع وضغط أميركي مباشر، رغم التوتر الحاد في العلاقات منذ 7 أكتوبر 2023.
وأشار التقرير إلى أن واشنطن استخدمت الصفقة كأداة سياسية لتوسيع التعاون الإسرائيلي–المصري، خصوصًا في ظل الخلافات الحادة بشأن معبر رفح، الذي تعتبره القاهرة "خطًا أحمر" خشية تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، وفقًا لسكاي نيوز.
من جانبها، ذكرت الخارجية الأميركية في بيان أن "موافقة إسرائيل على اتفاقية الغاز التي أبرمتها شركة شيفرون مع مصر إنجاز كبير للأعمال التجارية الأميركية والتعاون الإقليمي"، مضيفة أن الاتفاقية "لا تعزز أمن الطاقة فحسب، بل تدعم أيضًا الجهود الأوسع لتحقيق الاستقرار وإعادة إعمار غزة".
وذكر موقع الديار أن نتنياهو يدرس فتح المعبر جزئيًا بعد اتفاق الغاز، لكن مصر أكدت رفضها لهذه الخطوة الأحادية. وبحسب الشرق الأوسط، تصر القاهرة على أن صفقة الغاز تبقى تجارية بحتة، رغم تعدد الملفات الخلافية مع إسرائيل.
دلالات الحديث الإسرائيلي
يحمل ما نشرته معاريف حول فتح معبر رفح للخروج فقط، على خلفية اتفاق الغاز بين مصر وإسرائيل، عدة دلالات سياسية وأمنية يمكن قراءتها في السياق الإقليمي والدولي:
1. الربط بين الاقتصاد والسياسة الأمنية
الحديث عن اتفاق الغاز كخلفية مباشرة يعكس رؤية إسرائيل للتعاون الاقتصادي مع مصر كرافعة سياسية وأمنية. ويشير إلى استراتيجية إسرائيلية قديمة تقوم على استخدام الأدوات الاقتصادية (الغاز، التجارة، المشاريع المشتركة) لتمرير ترتيبات أمنية حساسة.
2. استخدام معبر رفح كأداة ضغط
الهدف –وفق القراءة الإسرائيلية– ليس تسهيل حياة سكان غزة، بل تفريغ القطاع تدريجيًا أو على الأقل منحهم مخرجًا نحو مصر دون عودة.
3. الإيحاء بإذعان مصري للضغط الدولي
تلمّح معاريف إلى أن واشنطن تمنح إسرائيل غطاءً لإقناع مصر بقبول فتح المعبر وفق الشروط الإسرائيلية، رغم الحساسيات الأمنية والسياسية التي عطّلت ذلك سابقًا.
4. تغيّر الظروف السياسية
تشير الصحيفة إلى أن التطورات الأخيرة خلقت بيئة سياسية أكثر ملاءمة للضغط على القاهرة، خاصة مع وجود اتفاقيات الغاز التي تعزز الثقة المتبادلة.
5. مخاطبة الجمهور الإسرائيلي
تسعى حكومة نتنياهو إلى تسويق اتفاق الغاز داخليًا باعتباره يخدم الأمن القومي، وليس مجرد صفقة اقتصادية.
لا جديد بشأن المعبر
في تقديرات المتابعين، لا جديد فعليًا بشأن المعبر، وأن أي تطور سيكون بعد اللقاء الثلاثي بين ترامب ونتنياهو والسيسي، وغالبًا بعد أعياد الميلاد وربما في بداية فبراير. أما ما يُنشر حاليًا حول فتح قريب للمعبر فمجرد أخبار وصفحات.
الجيش وسيناء
أثار تقليص جزئي لتواجد الجيش المصري في بعض مناطق سيناء، بالتزامن مع تمرير أكبر صفقة غاز بين مصر وإسرائيل بقيمة تتجاوز 35 مليار دولار، جدلًا واسعًا حول العلاقة بين الأمن القومي والاعتبارات الاقتصادية.
ورغم غياب إعلان رسمي مصري يوضح حقيقة هذه التحركات، تحدثت مصادر عبرية وغربية عن إعادة انتشار محدود للقوات في إطار ما وُصف بـ"تفاهمات أمنية"، ما أعاد إلى الواجهة سؤال السيادة وحدود الالتزام بالاتفاقيات التي كبّلت الوجود العسكري المصري في سيناء منذ عقود.
في المقابل، تفاخر رئيس وزراء الاحتلال بالصفقة واعتبرها إنجازًا استراتيجيًا يعزز نفوذ إسرائيل الإقليمي، بينما اكتفى الخطاب المصري بوصف الاتفاق بأنه "تجاري بحت"، متجاهلًا أبعاده السياسية والأخلاقية في ظل الحرب المستمرة على غزة.
ويرى منتقدون أن التزامن بين تقليص القوات وتمرير الصفقة يعكس تنازلات أمنية وسياسية، حيث يُقدَّم ملف السيادة مقابل دور وظيفي في تصدير الغاز وإعادة تسييله، بدلًا من الاستثمار في استقلال الطاقة أو حماية القرار الوطني.
هذا المشهد يثير تساؤلات حول أولويات النظام: كيف تُشدَّد القبضة الأمنية داخليًا على المواطنين والمعارضين، بينما تُخفَّف في منطقة حساسة كسيناء؟ ولماذا تُمنح إسرائيل مكاسب اقتصادية غير مسبوقة، فيما يتحمّل المصريون أعباء الغلاء؟ في النهاية، يظهر اختلال واضح في معادلة السيادة، حيث تُدار ملفات الأمن والطاقة بعيدًا عن الشفافية والمساءلة الشعبية.
