تواجه مئات الأسر في منطقة قراقص بمدينة دمنهور أزمة إنسانية حادة بعد إزالة مساكنهم القديمة التي أقاموا بها لأكثر من ربع قرن، ضمن خطة تطوير مزعومة أعلنت عنها حكومة الانقلاب لكن لم تنفذها حتى الآن؛ وبينما كان السكان ينتظرون تسلّم عقود التمليك التي دفعوا أقساطها لسنوات، فوجئوا بقرارات إخلاء وهدم دون توفير بدائل سكنية أو تعويض عادل .
ويعيش الأهالي حالة من الضياع القانوني والاجتماعي وسط غياب واضح للمساءلة والشفافية في إدارة ملف التطوير.
معاناة السكان المتضررين لم تبدأ منذ إخلاء المساكن وإزالتها، قبل 5 سنوات؛ إذ عانت القرية، التي يبلغ عدد سكانها أكثر من 30 ألف نسمة، حالة من الإهمال الشديد لسنوات، رغم قربها من مدينة دمنهور، إذ تعرضت لغرق مستمر في مياه الصرف الصحي وارتفاع منسوب المياه الجوفية، وهو ما كان يهدد البيوت بالانهيار.
مجلس شرنوب
حول هذه الأزمة قالت رباب الشرقاوي ممرضة ، كانت تقيم مع بناتها الثلاثة، في منطقة قراقص: إنها "تواجه معاناة إنسانية منذ إجبارها أواخر ديسمبر عام 2020 إلى جانب مئات المواطنين على إخلاء منازلهم، ورفض توفير منازل بديلة لهم".
وأضافت رباب الشرقاوي في تصريحات صحفية : فوجئنا قبل ٥ سنوات، بصدور قرار من مجلس شرنوب، بإخلاء مساكن القرية بالإضافة إلى مناطق الزلزال ومدينة العرائس، بحجة أن المباني آيلة للسقوط، مع إعطائهم مهلة حتى منتصف يناير 2021، وهو ما رفضه السكان، لعدم توفير مساكن بديلة لهم.
وتابعت : مع انتهاء المهلة قُطعت حكومة الانقلاب المرافق عن السكان من مياه وغاز وكهرباء لإجبارهم على الخروج، ولم تتركهم في الظلام وحسب بل اقتحم أشخاص العمارات السكنية وكسروا مواسير المياه لإغراق المساكن واضطر السكان للهروب بعد تلف أثاثهم.
وأشارت رباب الشرقاوي إلى أنها لم تكن تعرف إلى أين تذهب بأبنائها ، لكنها اضطرت للخروج مع غيرها من الأسر، ووُعدوا وقتئذٍ بتوفير مساكن بديلة خلال عامين، مع صرف 600 جنيه بدل إيجار شهريًا، غير أن صرف بدل الإيجار توقف بعد السنة الأولى، ليعيش الأهالي معاناة إنسانية، ولم تُجدِ الشكاوى التي قدمها المتضررون للمحافظة نفعًا، فيما تبرر المحافظة تأخر توفير مساكن بديلة لهم بعدم توفر ميزانية.
يأس وتشرد
وأكدت أن السكان يعيشون في حالة من اليأس والتشرد، وأن محاولاتهم المتكررة لمقابلة المسئولين فشلت، مشيرة إلى أن السكان دفعوا مقدم مالي لشراء شققهم، وسددوا أقساطًا شهرية طوال أكثر من عشرين عامًا، وكان من المفترض أن يتملكوها بعد انقضاء 25 عامًا، لكن الإخلاء تم قبل موعد التمليك بشهر فقط.
وأوضحت رباب الشرقاوي أن الحكومة كانت تبني مساكن منذ 24 عامًا، وبيعت الشقة بمبلغ 5000 جنيه، مع دفع إيجار شهري، وكان من المفترض أن يتملكها المشترون بعد 25 عامًا من التعاقد، لكن ملاكها باعوها بنظام العقود المتسلسلة، وفي عام 2008 اشتريت شقتي التي كانت ضمن مساكن الزلزال، بمبلغ 50 ألف جنيهً وذهبت إلى المجلس لتسوية المستحقات، فقالوا إن عليّ دفع 100 ألف جنيه، سددتها على أقساط، وعندما طلبت عقد التمليك النهائي، قالوا إن عليّ الانتظار حتى يسدد جميع سكان العمارة المبالغ المتبقية عليهم، وعندما اقترب موعد التسليم النهائي للجميع، أخرجونا .
وأشارت إلى أن السكان كانوا يدفعون لمجلس شرنوب أقساطًا شهرية تبلغ 56 جنيهًا، تحت مسمى ترميم وصيانة وإيجار، وعندما صدر قرار ترميم للمساكن، طلبوا منا في البداية 4000 جنيه من كل شقة نظير الترميم، ثم خفضوا المبلغ لـ 1500 جنيه، وبعد الدفع أبلغونا بقرار الإخلاء .
وأكدت رباب الشرقاوي أن السكان طُردوا في عام 2021، وفي العام التالي انقطع عنهم بدل الإيجار، وفي السنة الثالثة وقعوا على عقود شقق بديلة لم يستلموها حتى الآن، الأمر الذي دفعهم إلى تنظيم وقفة احتجاجية أمام مجلس قرية شرنوب، وقطع الطريق، لكنهم لم يجنوا شيئًا سوى مزيد من الوعود.
عقود التمليك
وقال محمد الطنطاوي، أحد المتضررين: مئات الأسر كانت تقيم في هذه المساكن منذ نحو 25 عامًا، بعضها من متضرري الزلزال، وأخرى من مشروع مدينة العرائس، موضحًا أن السكان كانوا يستعدون لتسلُّم عقود التمليك في شهر يناير قبل أربع سنوات، إلا أنهم فوجئوا بقرار إخلاء المساكن دون أي مستندات تضمن حقوقهم .
وأضاف الطنطاوى فى تصريحات صحفية : مجلس قرية شرنوب، التابع له المشروع، أخطرهم بأن المهلة النهائية للإخلاء هي نهاية ديسمبر، وأن من يرفض سيُخرج بالقوة، رغم أن السكان كانوا يدفعون إيجارًا شهريًا يتضمن رسومًا للترميم والصيانة، لكن لم تُجرَ أي أعمال صيانة طوال فترة سكنهم.
وأشار إلى أنه بعد الإخلاء، تم هدم المساكن بالكامل، مع وعود بأن تتولى مبادرة “حياة كريمة” إعادة بنائها، وهو ما لم يتحقق حتى الآن .
وأكد الطنطاوي الذي فقد عمله كطباخٍ منذ جائحة كورونا، ويعيش مع أسرته أوضاعًا صعبة للغاية، أنه اضطر إلى استئجار غرفتين منفصلتين في طابقين مختلفين؛ بسبب ضيق ذات اليد، موضحًا أن أغلب الأسر باتت مشردة، بعضهم استأجر مساكن مؤقتة، وآخرون لجأوا إلى منازل أقاربهم، بينما المحافظة صرفت لهم بدل إيجار شهري قدره 500 جنيه، لكنه توقف.
وشدد على أن جميع السكان كانوا يمتلكون عقود تمليك زرقاء، ويدفعون أقساط شراء شهرية ضمن مشروع مدينة العرائس، وكانت عمليات البيع والشراء بيننا تتم بتوكيلات رسمية، إلا أن المحافظة اعتبرت لاحقًا أن هذه المساكن كانت بنظام حق الانتفاع فقط، وهذا ظلم لأننا دفعنا ثمن الشقق بالفعل .
أوضاع قاسية
وأوضح الطنطاوي أن المساكن المزالة كانت بحالة إنشائية جيدة، تصلح للسكن لعشرين عامًا أخرى، وأن حديد التسليح المستخرج أثناء الهدم كان جديدًا ولم يصدأ، ما يدل على متانتها، متهمًا مجلس شرنوب بإهدار المال، بعد جمع رسوم الترميم دون تنفيذه .
وكشف أن السكان حاولوا من قبل الشكوى للمحافظة، لكنها استدعت قوات أمن الانقلاب لفض تجمهرهم في الشارع، ثم صرفت لهم ثلاثة أشهر فقط من مستحقاتهم وأغلقت الملف.
وأكد الطنطاوي أن الأهالي يعيشون أوضاعًا إنسانية قاسية في ظل غياب أي جهة تدافع عن حقوقهم، داعيًا إلى إعادة النظر في أوضاع الأسر المتضررة، وصرف مستحقاتهم بشكل منتظم، أو توفير مساكن بديلة تضمن استقرارهم الأسري والمعيشي.
مساكن بديلة
وقال مصطفى أحمد، أحد سكان قرية قراقص متضرر من قرار إزالة المساكن: إن "المشكلة بدأت حين صدر قرار سابق بترميم العمارات، مؤكدا أن حالتها لم تكن تستدعي الإزالة ، إلا أن المسئولين قرروا هدمها بشكل مفاجئ، قبل أربع سنوات، مع وعود بتعويض السكان وتوفير بدائل سكنية، لكن هذه الوعود لم تُنفذ حتى اليوم، إذ لم يحصل الأهالي على بدل إيجار مناسب ولا على مساكن بديلة".
وكشف أحمد في تصريحات صحفية أن المحافظة كانت تصرف للأهالي 600 جنيه شهريًا بدل إيجار، ثم توقفت المبالغ، مشيرًا إلى أن كثيرين، قضوا أكثر من 13 شهرًا دون أن يتقاضوا أي مبالغ مالية، ولكن بعد مراجعات متكررة لمجلس المدينة ومقابلة المسئول، تم إعادة إدراج أسمائهم في كشوف المستحقين.
وأشار إلى أن السكان طالبوا باسترداد شققهم التي أُزيلت باعتبارها ملكًا لهم بنظام الإيجار التمليكي، غير أن الرد الرسمي كان أنه لا توجد وحدات متاحة حاليًا، في إشارة إلى غياب أي خطة لإعادة تسكينهم.
وأكد أحمد أن المشكلة تتكرر بسبب غياب المساءلة موضحًا أن مجلس القرية يسلم المسئولية لمن بعده، والجميع يتعامل بالمحسوبية، بينما يضيع حق المواطن البسيط في النهاية .