حقوقيون يتساءلون: هل تُستخدم معاناة اللاجئين كورقة لابتزاز المعونات الدولية؟
في تناقض صارخ مع الخطاب الرسمي الذي يروّج لدعم الاستقرار في السودان، تتصاعد في مصر عمليات ترحيل اللاجئين السودانيين بالتوازي مع تفاقم الأزمة الإنسانية هناك، ما يثير تساؤلات واسعة حول حقيقة دوافع سياسات نظام عبد الفتاح السيسي، وعما إذا كانت معاناة اللاجئين تُستغل كورقة ضغط للحصول على معونات دولية باسم “استضافة اللاجئين”، دون تقديم دعم حقيقي لهم على أرض الواقع.
ووثّقت المفوضية المصرية للحقوق والحريات ترحيل 42,944 لاجئاً ومواطناً سودانياً من مصر حتى نهاية عام 2025، ضمن ما تصفه السلطات ببرنامج “العودة الطوعية”، في خطوة قوبلت بانتقادات حقوقية حادة، وسط مخاوف جدية بشأن سلامة العائدين، في ظل استمرار النزاع المسلح والانتهاكات الجسيمة داخل السودان.
وأعلنت المفوضية، في بيان صدر الأربعاء، إطلاق حملة بعنوان “لا للترحيل القسري”، مؤكدة أن ما يجري يمثل تصعيداً مقلقاً في إعادة لاجئين وطالبي لجوء سودانيين قسراً، رغم المخاطر المباشرة التي تهدد حياتهم، ويمثل انتهاكاً واضحاً لمبدأ عدم الإعادة القسرية، أحد أهم ركائز القانون الدولي لحماية اللاجئين.
وبحسب المفوضية، استندت الحملة إلى شهادات موثقة جُمعت عبر مقابلات شخصية، كشفت عن أنماط متكررة من التوقيف والاحتجاز والترحيل القسري، في ظل غياب أي ضمانات قانونية حقيقية، وعدم الاعتراف بوثائق صادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وحرمان المحتجزين من التواصل مع محامين أو ذويهم.
وتتزامن هذه الانتهاكات مع حملة رسمية تروّج لما تسميه الحكومة “رحلات العودة الطوعية”، حيث أعلنت هيئة سكك حديد مصر تسيير الرحلة رقم 44 من محطة رمسيس إلى السد العالي بأسوان، وعلى متنها 1116 سودانياً، ضمن برنامج قالت إنه يهدف إلى تسهيل العودة. ووفق بيانات رسمية صادرة في 31 ديسمبر 2025، بلغ إجمالي المرحّلين عبر القطارات والحافلات نحو 42,944 شخصاً.
غير أن المفوضية الحقوقية شددت على أن هذه الرحلات لا تتوافر فيها، في كثير من الحالات، شروط الطوعية الحرة، معتبرة أن الخوف من الاحتجاز أو الملاحقة الأمنية يدفع كثيرين إلى “العودة” تحت الإكراه، ما يحوّل البرنامج فعلياً إلى غطاء للترحيل القسري.
ويرى مراقبون أن هذه السياسات تعكس تناقضاً بنيوياً في تعامل نظام السيسي مع الأزمة السودانية؛ ففي الوقت الذي استفاد فيه الاقتصاد المصري من تدفق الأموال والذهب السوداني إلى الداخل، وساهم وجود السودانيين في تنشيط الأسواق وتقليل حدة الركود الناتج عن سياسات الإفقار الواسعة بحق المصريين، شددت السلطات الخناق على اللاجئين، وامتنعت عن تقديم أي دعم مباشر لهم، سواء في السكن أو الصحة أو التعليم.
كما تطرح هذه الإجراءات تساؤلات حول علاقة التصعيد في الترحيل بمطالب النظام المصري المتكررة بالحصول على دعم ومعونات دولية بذريعة تحمل أعباء استضافة اللاجئين، في وقت تؤكد فيه منظمات حقوقية أن اللاجئين يُتركون دون حماية حقيقية، بل ويُعاملون باعتبارهم عبئاً أمنياً يجب التخلص منه.
وأكدت المفوضية المصرية للحقوق والحريات أن هذه الممارسات تنتهك التزامات مصر بموجب اتفاقية اللاجئين لعام 1951 وبروتوكولها لعام 1967، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مناهضة التعذيب، واتفاقية حقوق الطفل، فضلاً عن تعارضها مع الدستور المصري الذي يحظر التعذيب والاحتجاز التعسفي ويكفل حماية الكرامة الإنسانية.
وأضافت أن السياسات الحالية تزيد هشاشة أوضاع اللاجئين السودانيين، في ظل بطء إجراءات التسجيل، وغياب المعلومات القانونية، وانعدام آليات حماية سريعة، ما يضاعف المخاطر على النساء والأطفال وكبار السن والمرضى.
وتأتي هذه التطورات بينما يشهد السودان واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، إذ تشير تقارير أممية إلى نزوح أكثر من 12 مليون شخص، واحتياج أكثر من 25 مليوناً لمساعدات عاجلة، مع توثيق انتهاكات واسعة قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وفي هذا السياق، شددت المفوضية على أن احترام حقوق اللاجئين لا يُقاس بالتصريحات الرسمية، بل بوقف الترحيل القسري وضمان الحماية القانونية الفعلية، داعية السلطات المصرية إلى الالتزام بتعهداتها الدولية، وعدم تحويل سياسات الهجرة والأمن إلى أداة لمعاقبة الفارين من الحرب أو المتاجرة بمعاناتهم.