في المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس، ظهر المنقلب عبدالفتاح السيسي في دور لا يختلف كثيرًا عن شخصية «الساعاتي اليهودي البخيل» في ثلاثينيات القرن الماضي؛ ذاك الذي بخل حتى بثمن نعي ابنه، فكتب إعلانًا يقول: «كوهين ينعى ابنه ويُصلح ساعات».
السيسي، بدوره، لم ينعِ الاقتصاد المصري المنهك، بل أصلح ساعته الخطابية، وكتب إعلانًا سياسيًا مختصره: الحرب على غزة هي السبب ، ولذلك فأنا ،مأزوم وأحتاج لمساعدات .
ويبدو أن السيسى وجد في الحرب الصهيونية على غزة هى شماعته ، التى يمكن أن يغازل بها أعضاء المنتدى الاقتصادى العالمى، لعله يجد من بينهم من يمنحه قرضا أو دعما، فقال : إن مصر خسرت نحو 9 مليارات دولار من عوائد قناة السويس بسبب الحرب في قطاع غزة، وكأن الأزمة الاقتصادية المصرية وُلدت في أكتوبر، ولم تكن قائمة منذ سنوات من السياسات المرتجلة، والمشروعات عديمة الجدوى، والديون المتراكمة، والاقتصاد المُدار بعقلية الثكنة لا الدولة.
في دافوس، قدّم السيسي نفسه ضحيةً للحرب، لا مستفيدًا منها. تجاهل أن هذا الصراع كان، سياسيًا، قبلة حياة لنظامه المتآكل، منحته فرصة للهروب من استحقاقات داخلية خانقة، وأعاد تدويره كـ«لاعب إقليمي ضروري»، بينما المواطن المصري يدفع الثمن تضخمًا وفقراً وانهيارًا للخدمات.
تحدث السيسي عن «استمرار مسيرة الإصلاح الاقتصادي وتعزيز دور القطاع الخاص»، وهي العبارة نفسها التي تُقال منذ عقد، في وقتٍ يتراجع فيه القطاع الخاص فعليًا أمام تمدد إمبراطورية الجيش، ويُقصى فيه المستثمر المحلي، ويُدار الاقتصاد بمنطق الأوامر لا القواعد.
أما عن «الاستقرار الإقليمي» و«السلام في الشرق الأوسط»، فقد بدت الكلمات أكبر من السياسات. فالنظام الذي يزعم عدم التدخل في شؤون الدول، لا يتوقف عن الترويج لدورٍ إقليمي فضفاض في ليبيا والسودان وسوريا ولبنان والصومال، دون أن يشرح أين تبدأ المصالح الوطنية وأين تنتهي المغامرات السياسية.
وفي الوقت الذي كان فيه السيسي يُلقي خطابه عن الشفافية والإصلاح من على منصة دافوس، كانت الأسئلة تتراكم في الخلفية:
لماذا تُهرَّب الأموال؟ ولماذا يُخرج الذهب؟ ولماذا تتكرر قصص الطائرات والحقائب الثقيلة إلى زامبيا وغيرها؟
أسئلة لا تحتاج إلى إجابات رسمية بقدر ما تحتاج إلى مساءلة حقيقية، غائبة عن مشهد يُدار فيه الإعلام، ويُكمَّم فيه القضاء، وتُحكم فيه الدولة بعصبة مصالح مترابطة.
السيسي في دافوس لم يقدّم تشخيصًا، بل قدّم شماعة. لم يعترف بالفشل، بل وزّعه على الجغرافيا. لم يناقش جذور الأزمة، بل اكتفى بالإشارة إلى غزة، وكأن المصريين لم يعيشوا سنوات من الهدر وسوء الإدارة قبل الحرب، ولن يعيشوا بعدها.