يواجه أصحاب الأمراض المزمنة مشكلات كبيرة وكثيرة فى زمن الانقلاب الذى لا يعترف بحقوق الإنسان ولا يعمل على توفير احتياجاته أو تلبية متطلباته ولا يهمه سوى الاستنزاف المستمر بل والتجويع حتى لا يفكر المصريون فى الثورة على نظام الانقلاب أو الاحتجاج على قراراته الكارثية التى خربت البلاد وأفقرت العباد ولم تترك شيئا حتى باعته للأجانب .
فى هذا السياق تعيش فئة كبيرة من أصحاب الأمراض المزمنة واقعًا صعبًا لا تلتقطه القوانين ولا تعترف به منظومة الحماية الاجتماعية، أجساد تعمل يومًا وتتوقف أيامًا، دخول تتآكل ونفقات علاج لا تتوقف، بينما يبقى المرض غير مرئى فى الأوراق الرسمية هؤلاء لا يحملون صفة «إعاقة» ولا ينتمون إلى الفئات المشمولة بمعاش ثابت، لكنهم يخوضون معركة يومية مع الجسد والمال معًا، كل يوم هو اختبار للصبر بعد أن أصبح العمل مغامرة غير مضمونة، والدخل مجرد احتمال مؤقت.
المرض ليس أزمة صحية بحتة، بل تجربة معيشية كاملة يوميات المرضى مليئة بالتحديات: نوبات تعب مفاجئة تعرقل العمل، أدوية باهظة تستنزف كل مدخراتهم، وفحوصات طبية متواصلة لا تتوقف، بعضهم يعمل حين تسمح صحته، ويتوقف حين يخونه الجسد، وسط دعم رسمى محدود أو غائب، ومع ذلك فالتحدى لا يقف عند الألم وحده، بل يمتد إلى القدرة على الكسب، وتأمين الاحتياجات الأساسية للأسرة، فى وقت ترتفع فيه أسعار الأدوية باستمرار وتقل فيه فرص العمل.
مريض قلب
حول هذه الأزمة قال عمرو 48 عامًا مريض قلب: أنا مش عاجز رسميًا بس عمليًا تعبان طول الوقت، باشتغل يوم وأقعد عشرة، القلب ما يسمحش أكمل، والدواء بقى أغلى من قدرتى .
وأوضح أن دخله لم يعد ثابتًا منذ سنوات وأن أى محاولة للالتزام بوظيفة تنتهى بانتكاسة صحية جديدة وفى الآخر لا شغل مستقر ولا معاش أعيش منه.
وقالت سعاد 55 عامًا مريضة روماتويد مزمن: مرضى مش باين، بس جسمى كله بيوجعنى فيه أيام ماقدرش أقف على رجلى، ومع ذلك الورق بيقول إنى سليمة .
وأعربت عن أسفها لأن عدم الاعتراف الرسمى بعجزها حرمها من أى دعم .
وأضافت : كأنى بعانى فى الخفاء من غير حق حتى إنى أشتكي .
مظلة المعاش
وأشار محمد 39 عامًا مريض كبد مزمن إلى محاولاته المتكررة للعمل قائلا : أدخل شغل جديد أتحامل على نفسى وبعد شهر "أقع" المرض بيغلبنى،
وأكد أن حالته لا تصنف كإعاقة رغم أنها تمنعه من الاستمرار فى العمل .
وتابع قائلًا: لا أنا قادر أشتغل زى الناس ولا داخل مظلة المعاش، والعلاج بياخد اللى معايا .
سلسلة أمراض
وقالت أم هبة 60 عامًا مريضة ضغط وسكر ومضاعفات أعصاب: مشكلتى مش مرض واحد دى سلسلة أمراض كل دواء محتاج ثروة، مشيرة إلى أن معاش زوجها المتوفى لا يكفى العلاج، وحكومة الانقلاب شايفة إنى مش من الفئات الأولى بالرعاية.
وكشف سعيد.ح 45 عامًا مريض انزلاق غضروفى حاد عن يومياته مع الألم قائلًا: الشغل محتاج مجهود وأنا ضهرى بيقفش عليّ فجأة
وأضاف : إصابتى أنهت مصدر رزقى، بس على الورق أنا لسه قادر .
أعباء صحية واقتصادية
من جانبه أكد إبراهيم أبوالعطا، أمين عام نقابة أصحاب المعاشات أن ما يتم تداوله مؤخرًا بشأن إدراج أصحاب الأمراض المزمنة ضمن منظومة المعاشات الحكومية أثار حالة واسعة من الجدل والالتباس لدى المواطنين، مشيرًا إلى أهمية التعامل مع هذا الملف بقدر من الهدوء والوضوح، نظرًا لحساسيته وارتباطه المباشر بمعيشة فئات واسعة تعانى بالفعل من أعباء صحية واقتصادية متراكمة.
وأوضح أبوالعطا فى تصريحات صحفية أن الفئات الأكثر احتياجًا لأى مظلة حماية اجتماعية هم كبار السن، إلى جانب شباب يعانون من أمراض مزمنة تتطلب علاجًا مستمرًا مدى الحياة، والحالات التى لا تحتمل التوقف عن العلاج أو الانتظام فى العمل لفترات طويلة، مشيرًا إلى أن المرض فى كثير من الأحيان يفرض واقعًا قاسيًا يجعل الاستمرار فى العمل أمرًا صعبًا أو شبه مستحيل.
ولفت إلى أن التحدى الحقيقى لا يكمن فقط فى الاعتراف بالمرض، وإنما فى كيفية إثباته دون إرهاق المريض بإجراءات معقدة، مقترحًا الاعتماد على التاريخ المرضى المسجل بالمستشفيات الحكومية، باعتباره دليلًا واضحًا على طبيعة الحالة واستمراريتها.
تكلفة العلاج
وأكد أبوالعطا أن المريض الذى لا يحصل على علاجه بانتظام يفقد قدرته على ممارسة حياته اليومية بشكل طبيعى، وهو ما ينعكس مباشرة على قدرته على العمل والإنتاج.
وأشار إلى أن تكلفة العلاج أصبحت عبئًا ثقيلًا على الأسر، فى ظل الارتفاع المستمر لأسعار الأدوية، موضحًا أن أى توجه لدعم أصحاب الأمراض المزمنة، سواء عبر العلاج أو الدعم النقدى، يمثل عبئًا ماليًا على دولة العسكر، لكنه عبء اجتماعى لا يمكن تجاهله إذا كان الهدف هو حماية الفئات الأضعف.
ووجّه أبوالعطا رسالة لأصحاب الأمراض المزمنة، مؤكدًا أن أى تغييرات محتملة لن تحدث بصورة فورية، وأن التركيز الحالى ينصب بالأساس على توفير العلاج والدعم، وليس بالضرورة صرف معاش شهرى مباشر، إلا فى الحالات التى يصل فيها المريض إلى درجة العجز الكامل عن العمل، وهى الحالات التى يمكن إدراجها ضمن برامج الدعم الاجتماعى مثل تكافل وكرامة.
وانتقد أداء منظومة العلاج الحالية، معتبرًا أنها تعانى من ضغط شديد وسوء تنظيم، خاصة فى أماكن صرف الدواء، مع غياب أماكن مناسبة لانتظار المرضى، إضافة إلى صرف أدوية غير فعالة فى بعض الأحيان، ما يؤدى إلى إهدار الموارد دون تحقيق الفائدة المرجوة.
واقترح أبوالعطا إعادة النظر فى آلية صرف العلاج لمرضى الأمراض المزمنة، بحيث لا يُجبر المريض على التردد المتكرر لتجديد نفس الروشتة، مؤكدًا أن المريض المزمن يظل مريضًا طوال عمره، ولا منطق فى تحميله أعباء إدارية متكررة لا تضيف قيمة حقيقية لعلاجه.