أعلنت وزارة البترول بحكومة المنقلب السيسي أن مجموعة "شينج فا" الصينية ستضخ استثمارات تصل إلى ملياري دولار في مشروع متكامل للبحث عن خام الفوسفات واستخراجه، وتصنيع منتجات عالية القيمة في منطقة المثلث الذهبي بالصعيد، المشروع سيُنفذ على ثلاث مراحل، ويُفترض أن يكون أكبر مركز للمجموعة خارج الصين، لكن رغم ضخامة الرقم، لم تُعلن تفاصيل واضحة عن صيغة التعاقد: ما مدة الامتياز؟ ما نسب اقتسام الأرباح؟ ما حقوق الدولة في الإدارة؟ هل هناك شروط لنقل التكنولوجيا أو حماية البيئة؟
هذه الأسئلة تثير مخاوف من أن مصر قد تتحول إلى مجرد "مقاول باطن" يوفر الأرض والبنية التحتية والخام الرخيص، بينما تُصدَّر الأرباح والتكنولوجيا إلى الخارج، الخبير الاقتصادي زياد بهاء الدين، أكد أن المشكلة ليست في غياب الاستثمارات الأجنبية، بل في البيئة التي تدخلها هذه الاستثمارات، حيث تظل الدولة تزاحم القطاع الخاص وتتعامل بعقلية السيطرة لا التنظيم، إذا مُنحت الشركة الصينية امتيازاً طويل الأجل مع أفضلية لاسترداد التكاليف والأرباح بالدولار، بينما تتحمل مصر المخاطر البيئية وتكتفي برسوم محدودة، فإن ذلك يعيد إنتاج نمط إدارة الموارد الذي أدى إلى أزمة ديون خانقة.
المثلث الذهبي يُدار بعقلية المقاول
وتعد منطقة المثلث الذهبي بين قنا وسفاجا والقصير تُعد من أغنى مناطق مصر بالثروات المعدنية، إذ تضم نحو 95 % من الخامات تمثل حوالي 7.6% من موارد مصر التعدينية، بينها الفوسفات والحديد والنحاس والذهب والرخام، هذه المنطقة كان يمكن أن تصبح قاعدة لصناعات وطنية كبرى في الأسمدة والكيماويات، لو وُجدت إرادة لإقامة نموذج استغلال عادل وشفاف.
لكن خبراء مثل عبد العال عطية، أحد مسؤولي هيئة الثروة المعدنية السابقين، انتقدوا سياسات الحكومة في تصدير الخامات، وقالوا: إن "الدولة تفرض رسوماً على بعض الخامات الثانوية بينما تترك الفوسفات يُصدَّر بالملايين من الأطنان دون رسوم عادلة".
عطية اعتبر أن بعض القرارات الحكومية كانت "آخر طعنة في ظهر صناعة التعدين في مصر".
ومن جانبه، حذر حسن بخيت، وكيل وزارة البترول لشؤون التعدين سابقاً، من استمرار "إهدار الخامات المعدنية" بسبب سوء الإدارة وضعف الرقابة، لافتاً إلى أن قطاع المحاجر وحده يمثل أكثر من ثلثي الثروة المعدنية المصرية، ومع ذلك تُهدر كميات كبيرة، بسبب أساليب استخراج بدائية وتدمير لاحتياطات يمكن استغلالها مستقبلاً.
المنافسة الإقليمية والدولية
الصين ليست وحدها في الساحة، الإمارات دخلت المنافسة عبر استثمارات غير مباشرة في الصناعات الكيماوية والبتروكيماويات المرتبطة بالفوسفات. ففي نوفمبر 2024، استحوذت شركة أبو ظبي التنموية القابضة (ADQ) على حصص كبيرة في ثلاث شركات مصرية بارزة: 25% من أسهم شركة الحفر المصرية، 30% من أسهم شركة إيثيدكو، و35% من أسهم شركة إيلاب، هذه الشركات ليست فوسفاتية مباشرة، لكنها جزء من سلسلة الصناعات الكيماوية التي تعتمد على الفوسفات كمدخل أساسي، حجم الصفقة قُدّر بمئات الملايين من الدولارات، واعتُبرت خطوة لتعزيز النفوذ الإماراتي في الصناعات الاستراتيجية بمصر.
وتراقب السعودية أيضاً القطاع عن كثب، شركة "معادن" السعودية، وهي من أكبر منتجي الفوسفات والأسمدة في العالم، أبدت اهتماماً بالدخول في شراكات مع مصر لتطوير مشروعات مشتركة، هذا الاهتمام يأتي في إطار استراتيجية السعودية لتنويع اقتصادها عبر الاستثمار في التعدين والأسمدة، وهو ما يجعلها منافساً محتملاً للصين والإمارات في السوق المصرية.
أما الأردن، الذي يُعد من أكبر منتجي الفوسفات في المنطقة عبر شركة الفوسفات الأردنية، يسعى إلى توسيع نفوذه عبر شراكات مع مصر، وجود الأردن كمنافس إقليمي يعكس أهمية الفوسفات كسلعة استراتيجية في الشرق الأوسط، خاصة أن مصر تمتلك احتياطيات ضخمة يمكن أن تغير موازين السوق.
ويظل المغرب، عبر مجموعة OCP، المنافس العالمي الأكبر، المغرب يُعد أكبر مصدر للفوسفات في العالم، ويحقق عوائد ضخمة من صادراته، رغم عدم وجود استثمارات مباشرة معلنة في مصر، إلا أن المغرب يراقب أي توسع في السوق المصرية باعتباره منافساً محتملاً على المستوى الدولي، دخول الصين بقوة إلى مصر قد يضع المغرب في مواجهة منافسة جديدة على الأسواق العالمية.
أما أوروبا، فقد بدأت شركات فرنسية وإسبانية مفاوضات مع الحكومة المصرية لدخول قطاع الفوسفات عبر مشروعات مشتركة في التصنيع والتصدير، حتى الآن لم تُعلن عقود نهائية، لكن الاهتمام الأوروبي يعكس إدراكاً لأهمية الفوسفات المصري كمورد استراتيجي.
هل تتكرر تجربة الغاز
وقال خبراء: "ونحن أمام مشروع صيني ضخم في الفوسفات، يُخشى أن نكرر نفس التفريط، يُخشى أن نكرر نفس النمط: امتياز طويل الأجل لشركة أجنبية مسنودة بدولة كبرى، خامات تُستخرج بكثافة من منطقة استراتيجية دون شفافية كافية حول النمط: امتياز طويل الأجل لشركة أجنبية مسنودة بدولة كبرى، خامات تُستخرج بكثافة من منطقة استراتيجية دون شفافية كافية حول العوائد الحقيقية، واعتماد متزايد على مستثمر خارجي في قطاع حيوي، مع غياب رقابة مجتمعية جادة".
وحذروا من أنه بدل أن يكون الفوسفات رافعة لاستقلال اقتصادي، قد يتحول – إذا تمت الصفقة بشروط مجحفة – إلى قناة جديدة لخروج العملة الصعبة، عبر تحويل أرباح مليارية إلى شركة عالمية مدرجة، بينما يبقى المواطن المصرى يستثمر خارجيا في قطاع حيوي، مع غياب رقابة مجتمعية جادة.
توطين الصناعة
وكانت د.عبير بسيوني وزير مفوض كتبت مقالا أول أمس في الأهرام، دعت إلى توطين تصنيع الفوسفات البحري في مصر، باعتباره استثمارا استراتيجيا للأمن القومي، حيث يمثل الفوسفات البحري في مصر ثروة طبيعية هائلة، وتمتلك البلاد احتياطيات ضخمة تصل إلى نحو 2.8 مليار طن في البحر الأحمر، ما يجعلها ثالث دولة عالميًا في حجم هذه الاحتياطيات".
وأضافت أنه رغم ذلك، يظل معظم الإنتاج المصري معتمدًا على المناجم البرية مثل أبو طرطور والسباعية، بينما يُصدَّر الخام البحري دون تصنيع، وهو ما يُعد إهدارًا لفرصة اقتصادية واستراتيجية كبرى.
وأكدت أن توطين صناعة الفوسفات البحري، يعني تحويل هذه الموارد إلى منتجات ذات قيمة مضافة عالية مثل الأسمدة، وحمض الفوسفوريك، والمواد الكيميائية المتخصصة، بما يسهم في بناء صناعة وطنية متكاملة تعزز التنمية الاقتصادية وتضع مصر في موقع ريادي إقليمي بمجال الصناعات التعدينية والزراعية المستدامة، هذا التوجه لا يقتصر على البعد الاقتصادي، بل يمسّ مباشرة أعمدة الأمن القومي: الأمن الغذائي، والسيادة على الموارد، والتنمية الصناعية المستدامة.
وأشارت إلى أن التحديات كبيرة، أبرزها نقص الكوادر البشرية المؤهلة لتشغيل هذه الصناعات المعقدة، والحاجة إلى استثمارات ضخمة وتقنيات متطورة، إضافة إلى تطوير البنية التحتية للنقل والطاقة. عمليات التصنيع تستهلك موارد كبيرة من المياه والطاقة، ما يتطلب حلولًا مستدامة وإدارة صارمة للمخلفات لتجنب التلوث.
واعتبرت أن الاستثمار في استخراج الفوسفات من قاع البحر يجب أن يقترن بإنشاء مصانع حديثة قرب السواحل لتقليل تكاليف النقل، وتطبيق الاقتصاد الدائري عبر تطوير صناعات أخرى تعتمد على الفوسفات مثل المنتجات الكيميائية والصيدلانية، وتحويل المخلفات إلى منتجات ثانوية كالأسمدة العضوية ومواد البناء.
كما أن تطوير ميناء سفاجا التعديني وربطه بخطوط سكك حديدية مع مناجم الداخلة وأبو طرطور، وإنشاء موانٍ متخصصة مجهزة بمعدات حديثة، يمثل خطوة أساسية لتسهيل النقل والتصدير.
إلى جانب ذلك، يتطلب الأمر تدريب العمالة المحلية على أحدث تقنيات صناعة الأسمدة، والاستثمار في تقنيات التعويم والفصل المغناطيسي لرفع جودة الفوسفات منخفض التركيز، وإدخال التصنيع النظيف لتقليل الانبعاثات.
وشددت على أن الشراكات المحلية والدولية ضرورية لاستيعاب دروس التجارب السابقة، مثل تجربة أبو طرطور التي أثبتت أهمية معالجة الفوسفات قبل التصدير.
