إلغاء الاستثناءات و(الأمن الوطني) للجميع.. “السيسي” يحظر دخول السوريين إلى مصر

- ‎فيتقارير

 

مع بداية عام 2026، أصبح دخول السوريين إلى مصر مشروطًا بالحصول على موافقة أمنية مسبقة من السلطات المصرية، وهو إجراء إلزامي لجميع الفئات العمرية، وأُلغي معظم الاستثناءات السابقة التي كانت تمنح لحاملي إقامات أوروبية أو خليجية .

 

وأشارت صحيفة "النهار" اللبنانية إلى أن مصر نبهت شركات السفر والطيران بمنع قبول أي راكب سوري على الرحلات القادمة إلى مصر من مختلف دول العالم، عدا حاملي الإقامة المؤقتة لغير السياحة بالبلاد.

ومنذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 وتشكيل حكومة سورية جديدة، دخلت العلاقات بين القاهرة ودمشق مرحلة من التوتر والفتور غير المسبوق.

وبينما سارعت بعض الدول العربية إلى إرسال وفود رسمية إلى دمشق للتواصل مع الإدارة الجديدة، فضّلت مصر أن تتبنى موقفًا مترقبًا وحذرًا، وهو ما انعكس بشكل مباشر على السياسات المصرية تجاه السوريين المقيمين أو الراغبين في دخول البلاد، هذا التوتر السياسي لم يبقَ في إطار التصريحات الدبلوماسية، بل ترجم إلى قرارات عملية أثرت على حياة مئات الآلاف من السوريين، وأثارت جدلًا واسعًا حول مستقبل الاستثمارات السورية في مصر.

تطورات قرار الحظر

وفي بداية عام 2025، أصدرت السلطات المصرية تعليمات مشددة تقضي بمنع دخول السوريين القادمين من جميع دول العالم، بعد أن كان الحظر مقتصرًا على القادمين من بعض الدول فقط، القرار جاء مفاجئًا، إذ تم إبلاغ شركات الطيران والسفر بعدم السماح لأي راكب سوري بالصعود إلى الرحلات المتجهة إلى مصر، باستثناء حاملي الإقامات المؤقتة غير السياحية.

وقال مراقبون: إن "الإجراء مثّل نقلة نوعية في التعامل مع السوريين، حيث لم يعد الأمر مرتبطًا ببلد القدوم أو نوع التأشيرة، بل أصبح المنع شاملًا مع استثناء محدود للغاية".

ومع بداية عام 2026، تطور الأمر ليصبح دخول السوريين مرهونًا بالحصول على موافقة أمنية مسبقة، وهو ما زاد من تعقيد الوضع، وأكد أن القاهرة تتعامل مع الملف السوري من زاوية أمنية بحتة.

 

الخلفيات السياسية

وترتبط العلاقة المتوترة بين النظام المصري والحكومة السورية الجديدة بالقرار بشكل وثيق، حيث "القاهرة"، التي كانت في السنوات الأخيرة تميل إلى التنسيق مع دمشق في عهد السفاح بشار الأسد، على مستويات عدة الفنية والأمنية؛ وجدت نفسها أمام سلطة جديدة غير واضحة المعالم بوجهة نظر الانقلابيين في مصر، ما دفعها إلى عدم الانخراط في تعاون مباشر بل ومحاربتها كلما أمكن.

وانعكس هذا التردد في شكل تضييق على السوريين، وكأن مصر أرادت أن تبعث برسالة مزدوجة: فهي من جهة تؤكد حرصها على أمنها القومي وعدم السماح بانتقال الفوضى عبر حدودها، ومن جهة أخرى تُظهر تحفظها على الحكومة الجديدة في دمشق.

 

التوجه الأمني

وفي تبرير القرار أشارت سلطات الانقلاب في القاهرة إلى أن دخول مواطني دول تشهد نزاعات، مثل ليبيا واليمن وأوكرانيا، يخضع لموافقات أمنية مسبقة، وأن السوريين لا يُستثنون من هذه القاعدة.

وقال مراقبون: إن "خلف هذا التبرير الأمني، حسابات سياسية أعمق. فمصر تخشى أن يؤدي الانفتاح السريع على الحكومة السورية الجديدة إلى إرباك علاقاتها الإقليمية، خاصة مع دول الخليج وتركيا وإيران، التي لكل منها موقف مختلف من التغيير في دمشق، لذلك، اختارت القاهرة أن تُبقي الباب مواربًا، وأن تُظهر تحفظًا عمليًا عبر قرارات تضييق الدخول والإقامة".

 

تداعيات القرارات

ومن تداعيات القرار على السوريين فإن آلاف الأسر التي كانت تعتمد على لمّ الشمل أو على حرية التنقل بين مصر وسوريا وجدت نفسها أمام قيود صارمة. فالسوريون المقيمون بالفعل في مصر واجهوا صعوبات متزايدة في تجديد الإقامات أو الحصول على خدمات، فيما أصبح دخول أقاربهم أو شركائهم التجاريين شبه مستحيل دون موافقة أمنية معقدة.

وهذا الوضع خلق حالة من القلق داخل الجالية السورية التي تُقدَّر بمئات الآلاف، وأثار مخاوف من أن تتحول مصر من ملاذ آمن إلى بيئة طاردة.

 

لكن التأثير لم يكن اجتماعيًا فقط، بل امتد إلى الجانب الاقتصادي، السوريون يُعتبرون من أبرز المستثمرين في مصر منذ عام 2011، حيث ضخّوا ما بين 10 إلى 20 مليار دولار في الاقتصاد المصري منذ 2011 عبر مشروعات تجارية وصناعية وخدمية، خاصة في قطاعات المطاعم والملابس والحلويات والعقارات، هذه الأموال أصبحت جزءًا من النسيج الاقتصادي المحلي، وأسهمت في خلق فرص عمل وتوفير منتجات بأسعار تنافسية، ومع ذلك، فإن القرارات الأخيرة خلقت حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين السوريين، الذين باتوا يتساءلون عن مستقبل استثماراتهم في ظل بيئة سياسية متوترة.

وأسس آلاف السوريين شركات صغيرة ومتاجر، وأصبحوا جزءًا من النسيج الاقتصادي المحلي، خاصة في القاهرة والجيزة والإسكندرية والمدن الكبرى بمصر كما يعتبر السوريون من أبرز المستثمرين في سوق العقارات المصري خلال العقد الماضي، مستفيدين من انخفاض قيمة الجنيه المصري مقارنة بالعملات الأجنبية.

والقيود الجديدة قد تحدّ من تدفق استثمارات جديدة، وتخلق حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين السوريين، لكنها لا تمس بشكل مباشر الأموال الموجودة بالفعل داخل مصر.

 

 

ويمكن القول: إن "العلاقة المتوترة بين النظام المصري والحكومة السورية الجديدة لم تبقَ في إطار السياسة الخارجية، بل انعكست بشكل مباشر على حياة السوريين في مصر".

 القرارات المتعلقة بمنع الدخول أو اشتراط الموافقات الأمنية ليست مجرد إجراءات إدارية، بل هي تعبير عن موقف سياسي متحفظ، وعن رغبة في حماية الأمن القومي المصري وسط مشهد إقليمي مضطرب، لكن هذه القرارات تحمل في طياتها تداعيات اجتماعية واقتصادية عميقة، قد تؤثر على استقرار الجالية السورية وعلى حجم الأموال السورية المستثمرة في مصر، وهو ما يجعل الملف السوري أحد أكثر الملفات حساسية في السياسة المصرية خلال المرحلة المقبلة.