قدم اللواء مختار عبد اللطيف رئيس الهيئة العربية للتصنيع، عنوانا جاذبا لم يتطرق إلى التفاصيل إلا في جزئية واحدة، وذلك بقوله: "وصلنا إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي في تصنيع عربات مترو الأنفاق والبضائع في مصر" بحسب ما نشرته "الشروق" الخميس 5 فبراير الجاري.
وفي التفاصيل أشار إلى أن "الهيئة تستقدم (المعنى تستورد) بعض المعدات الحديثة لمصنع «سيماف» لعربات السكك الحديدية ومترو الأنفاق، شأنه في ذلك شأن باقي مصانع الهيئة العربية للتصنيع".
وبغض النظر عن قدرة المصنع على تصنيع أي عدد مطلوب من عربات مترو الأنفاق وهو أمر مفروغ منه، إلا أنه لفت سريعا إلى "المحلية" وهو يشير إلى أن "الهيئة تحرص عند التطوير على تبني أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا، وذلك من خلال التعاون مع كبرى الشركات العالمية العاملة في هذه المجالات".
وأضاف أخيرا أن خط إنتاج العربات كاملا وتصنيع 80 عربة مترو أنفاق مؤخرا بالتعاون مع إحدى الشركات الكورية المتخصصة، وهو ما دعا البعض للتساؤل عن حقيقة "الاكتفاء الذاتي" أو هو "اكتفاء بالمساندة".
وبالبحث، اتفقت الهيئة العربية للتصنيع (مصنع سيماف) وشركة هيونداي روتم الكورية الجنوبية على تصنيع 80 عربة مترو أنفاق (10 قطارات مكيفة)، وتم التصنيع داخل مصر بنسبة محلية مرتفعة، بينما جرى استيراد بعض المكونات الحساسة مثل أنظمة الجر الكهربائي، وحدات التحكم الإلكترونية، وأنظمة التكييف (التكنولوجيا) التي أشار لها اللواء.
أما الأجزاء التي تُصنع محليًا فتشمل الهياكل المعدنية، والدهانات، والزجاج، والأبواب، والمقاعد، والعديد من المكونات الداخلية.
ويبدو أن الإعلان عن "تصنيع مصري 100%" بعبارة "الاكتفاء الذاتي" غالبًا ما يكون صياغة دعائية أكثر منه توصيفًا دقيقًا للواقع الصناعي.
وكان يمكن للواء أن يكون صريحا فيعلن أن الهدف: "توطين صناعة عربات المترو وفق معايير الثورة الصناعية الرابعة، مع الاستعانة بالتكنولوجيا الكورية.".
ويقدر مراقبون النسبة الدقيقة للمشاركة المحلية بخلاف خروج العربة من بوابة مصانع الهيئة العربية للتصنيع، تشير إلى 40–50% في هذه الدفعة، مع "خطة" لزيادته تدريجيًا في العقود القادمة.
القيمة المادية
والاتفاق الذي أبرمته الهيئة العربية للتصنيع (مصنع سيماف) مع شركة هيونداي روتم الكورية الجنوبية لتصنيع وتجميع 80 عربة مترو أنفاق (10 قطارات مكيفة) بلغت قيمته حوالي 2.3 مليار جنيه مصري (ما يعادل نحو 130 مليون دولار وقت توقيع الاتفاق).
والجزء الأكبر من العقد مخصص لاستيراد أنظمة الجر الكهربائي، وحدات التحكم، والتكييف من كوريا.
بينما تم توجيه نسبة لتطوير خطوط الإنتاج داخل مصنع سيماف، وتغطية تكاليف تصنيع الهياكل المعدنية، والزجاج، والدهانات، والمكونات الداخلية المقاعد والقوائم الحديد المطلية بالنيكل أو بالدهانات محليًا.
وتضمن الاتفاق أيضًا بندًا لنقل التكنولوجيا وتدريب الكوادر المصرية، وهو ما رفع التكلفة لكنه هدف إلى زيادة نسبة المكوّن المحلي مستقبلًا، وهو أمر جيد لم يشر إليه السيد اللواء فقط ركز على أن العربات "صُنعت في مصر".
والاتفاق مع هيونداي روتم الكورية (2017) لتصنيع وتجميع 80 عربة مترو (10 قطارات) داخل مصنع سيماف بلغت قيمته نحو 2.3 مليار جنيه مصري (~130 مليون دولار). في نفس الفترة، ووقّعت حكومة السيسي أيضًا عقودًا لاستيراد عربات كاملة من الخارج، مثل صفقة هيونداي روتم لتوريد 256 عربة للخط الثالث للمترو بقيمة 380 مليون دولار، وصفقات أخرى لاحقًا مثل استيراد قطارات تالجو الإسبانية (2024) بقيمة 200 مليون يورو.
وتوضح المقارنة أن التصنيع المشترك محليًا كان أقل تكلفة لكنه اعتمد على استيراد المكونات التكنولوجية، بينما الاستيراد الكامل كان أعلى تكلفة لكنه أسرع في التنفيذ.
9 سنوات لتطبيق الاتفاق!
اللافت أن الاتفاق مع "هيونداي" روتم الكورية لتصنيع وتجميع 80 عربة مترو (10 قطارات) تم توقيعه في 2017، لكن دخول القطارات الخدمة بشكل كامل استغرق سنوات طويلة، والسبب أن مثل هذه العقود تمر بمراحل معقدة:
وبالتصنيع المشترك فإن جزء من المكونات يُصنع في كوريا (أنظمة الجر، التحكم، التكييف)، ثم يُشحن إلى مصر ليُركب على الهياكل المصنعة في مصنع سيماف. هذه العملية وحدها تحتاج وقتًا طويلًا.
ومصنع سيماف كان بحاجة إلى تحديث وتجهيز خطوط إنتاج جديدة لتصنيع الهياكل وتجميع القطارات وفق المعايير الدولية، وهذا استغرق وقتًا إضافيًا.
كما أن أي قطار جديد يخضع لاختبارات تشغيلية وأمان قد تمتد لأشهر قبل دخوله الخدمة.
فضلا عن العقدة في العقود الحكومية الكبيرة عادةً ما تتأخر بسبب التمويل، والمراجعة، والموافقات الرسمية.
وكانت النتيجة أن أولى القطارات بدأت تدخل الخدمة تدريجيًا بعد 2020–2021، والإعلان عن تشغيل كامل الدفعة (10 قطارات) لم يكتمل إلا بعد نحو 9 سنوات!
وبالمقارنة مع دول أخرى، مثل كوريا أو اليابان، تنفيذ مثل هذه العقود لا يستغرق أكثر من 3–4 سنوات، لكن في مصر طول الإجراءات والتجهيزات جعل المدة أطول بكثير.
اتفاقات مع الخارج
ورغم تصريح القدرة على التصنيع، إلا أنه بين عامي 2019 و2025 وقّع الوزير العسكري (الفريق) كامل الوزير، وزير النقل "المدني" بحكومة السيسي ووزارات أخرى، عدة اتفاقيات مع شركات عالمية لتوريد عربات مترو الأنفاق، المونوريل، ومترو العاصمة الإدارية الجديدة.
وأبرزها عقود مع شركات ميتسوبيشي اليابانية، ألستوم الفرنسية، وتالجو الإسبانية، إضافة إلى شراكات مع شركات صينية في مشروعات المونوريل.
وتضمنت هذه الاتفاقيات توريد قطارات جديدة بالكامل بجانب التعاون في الصيانة والتصنيع المشترك مع الهيئة العربية للتصنيع.
ميتسوبيشي اليابانية (2025) تعاون لتوريد وصيانة قطارات المترو، شمل إعادة تأهيل 35 قطارًا بالخط الثاني و23 قطارًا بالخط الأول.
ولم يُعلن رقم محدد، لكن يرتبط بعقد سابق (نوفمبر 2021) لتوريد 23 قطارًا للخط الرابع وأعمال كهرو–ميكانيكية وصيانة لمدة عامين بقيمة تقارب 1.2 مليار دولار وذلك لزيادة القدرة التشغيلية وتحسين الخدمة.
ويشمل التعاون خطط لتوسيع التصنيع المحلي عبر الهيئة العربية للتصنيع ولم تنفذ إلا التدريب!
وشاركت ألستوم الفرنسية في توريد قطارات للخط الثالث للمترو، مع خطط لتوسيع التعاون في التصنيع المحلي مقابل عقدين بقيمة إجمالية 190 مليون يورو لتوريد أنظمة الإشارة والاتصالات والبنية التحتية وكانت (ألستوم) ضمن مناقصة لتوريد 32 قطارًا (256 عربة) بقيمة تقارب 380 مليون دولار، لكنها انسحبت قبل توقيع العقد النهائي.
وكان هناك خطط لتوسيع التعاون في التصنيع المحلي، لكن لم تُنفذ بسبب الانسحاب.
وفي اتفاقية تالجو الإسبانية (2024) لتوريد 7 قطارات نوم فاخرة بقيمة 200 مليون يورو، ضمن خطة شاملة لتحديث أسطول السكك الحديدية.
اتفاقيات المونوريل
وبالنسبة لاتفاقات مونوريل العاصمة اتفق "الوزير" مع شركات صينية (CRRC وAVIC) شاركت في تنفيذ مشروع مونوريل العاصمة الإدارية الجديدة ومونوريل 6 أكتوبر، مع توريد القطارات وتدريب الكوادر المصرية.
وتضمنت الاتفاق تصنيع بعض المكونات محليًا بالتعاون مع الهيئة العربية للتصنيع لتقليل الاعتماد على الاستيراد.
وفي نوفمبر 2025، شهد كامل الوزير توقيع 9 اتفاقيات كبرى بين الهيئة القومية للأنفاق وشركات عالمية في مؤتمر النقل الذكي TransMEA 2025. هذه الاتفاقيات شملت (توريد قطارات)، وتطوير البنية التحتية، وتوسيع التعاون الصناعي.