تشهد أسواق المعادن العالمية موجة ارتفاعات وانخفاضات متتالية، مدفوعة بتصاعد التوترات الجيوسياسية واضطراب سلاسل الإمداد، ما أعاد الذهب والفضة والنحاس إلى صدارة المشهد الاقتصادي العالمي، ليس فقط كسلع استثمارية، بل كعناصر استراتيجية تتنافس عليها الدول الكبرى.
الذهب واصل أداءه كملاذ آمن في أوقات عدم اليقين، مع تزايد مشتريات البنوك المركزية، خاصة في الدول الناشئة، في محاولة لتقليل الاعتماد على الدولار والتحوط من تقلبات الأسواق العالمية، الأمر الذي دفع أسعاره إلى مستويات قياسية.
في المقابل، تشهد الفضة صراعًا مزدوجًا بين دورها كمخزن للقيمة وأهميتها الصناعية المتزايدة، لا سيما في قطاعات الطاقة الشمسية والإلكترونيات، حيث أدى تسارع الطلب الصناعي إلى ضغوط متزايدة على المعروض، ما ساهم في تقلبات حادة بأسعارها.
ارتفاعات قياسية
وحقق كل من الذهب والفضة ارتفاعات قياسية في عام 2025، حيث قفزا بنسبة 65% و150% على التوالي خلال العام، واستمرت هذه المكاسب في عام 2026، حيث ارتفعت الفضة بنسبة 37% بينما ارتفع الذهب بنسبة 15.4% منذ بداية العام.
وخلال الأسبوع الماضي، انخفض سعر أوقية الذهب بقيمة 577 دولارًا، لتسجل 4800 دولار، ولامست مستوى 5605 دولارات، حيث الأسواق العالمية تشهد تقلبات حادة وغير المسبوقة.
فيما سجلت أوقية الفضة، خسارة أسبوعية بنحو 18 دولارًا، حيث بدأت التداولات عند مستوى 103 دولارات، وارتفعت إلى 121 دولارًا، ثم تعرضت لضغوط بيعية قوية لتغلق عند 85 دولارًا للأوقية.
النحاس
أما النحاس، الذي يُعد عصب التحول الصناعي والاقتصاد الأخضر، فيواجه تحديات غير مسبوقة، مع تركّز إنتاجه في عدد محدود من الدول، وارتفاع تكاليف الاستخراج، إلى جانب القيود البيئية، في وقت يتزايد فيه الطلب العالمي عليه مع التوسع في مشروعات السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة.
وسجلت أسعار النحاس مستوى قياسيًا جديدًا تجاوز 14 ألف دولار للطن، مع استمرار المضاربين في الشراء بدافع توقعات طلب قوي، مدعومين بضعف الدولار والمخاوف الجيوسياسية.
ومع استمرار هذه التوترات، تبقى أسواق المعادن مرشحة لمزيد من التقلبات السعرية خلال الفترة المقبلة، في وقت تتحول فيه المعادن من مجرد أدوات تداول، إلى أوراق ضغط اقتصادية في صراع النفوذ العالمي.
مكاسب غير مسبوقة
في هذا السياق، قال نادي نجيب، سكرتير عام شعبة المعادن الثمينة والمصوغات والمجوهرات بغرفة القاهرة التجارية سابقا، إن الذهب والفضة والنحاس، حققوا مكاسب غير مسبوقة خلال الفترة الماضية، ولكن يظل الضغط على شراء الذهب هو الأقوي دائمًا.
وأضاف «نجيب»، في تصريحات صحفية أن الأسعار في حالة تذبذب صعود وهبوط بسبب الأحوال الدولية والصراعات الإقليمية، وعدم استقرار الحالة السياسية، مؤكدًا أن الذهب سلعة حساسة تتأثر بالتغيرات العالمية، وعند ارتفاع سعر الأوقية يزاد السعر العالمي.
وأشار إلى أن الذهب لا يزال الملاذ الأمن فهو يتمتع بحماية خاصة، ورغم ارتفاعات ومكاسب الفضة إلا أنها غير مستقرة وتواجه اهتزازات عنيفة، ولأن عدد جراماتها كثيرة وعند الخسارة تهبط بشكل أسرع، فبعد وصولها إلى 200 جنيه للجرام انخفضت إلى 169 حاليًا، حيث الكيلو خسر ما يقرب من 31 ألف جنيه.
وأكد «نجيب»، أن عمليات التصحيح سواء للذهب والفضة من انخفاض في الأسعار لن يستمر طويلًا، حيث ستكون هناك سلسلة من الارتفاعات القريبة على مدار عام 2026، متوقعًا وصول سعر الأوقية إلى 6000 دولار نهاية العام الجاري.
وأوضح أن المؤشر العام للذهب على مر السنوات الماضية يتجه إلى الصعود وفي حالة الهبوط يكون بشكل بسيط تم يعاود مرحلة صعوده لقمم تاريخية جديدة غير متوقعة.
توترات جيوسياسية
وقال الخبير الاقتصادي الدكتور خالد الشافعي، إن المعادن أصبحت تحقق مكاسب غير مسبوقة وهو ما جعل العالم كله يتجه إلى الشراء خاصة الذهب والفضة والنحاس.
وأضاف «الشافعي» في تصريحات صحفية أن الفضة حققت مكاسب تتعدى الـ200% منذ العام الماضي حتى الآن، بجانب الذهب الذي وصل إلى سعر الجرام 7500 جنيه، لعيار 21 الأكثر انتشارًا قبل أن ينخفض إلى 6500 جنيه، فضلًا عن النحاس والذي تخطي سعره الـ14 ألف دولار للطن.
وأشار إلى أن عدم استقرار المعادن الفترة الماضية جاء نتيجة للتوترات الجيوسياسية في المنطقة والرسوم الجمركية التي تفرضها أمريكا على بعض الدول، وهو ما أدي إلى ارتفاع الطلب على المعادن وانخفاض المعروض منها على مستوى جميع الدول.
وتابع «الشافعي»: البنوك المركزية في الأزمات والصراعات الإقليمية، تلجأ إلى تحويل معظم الاحتياطي النقدي الخاص بها إلى معادن نفيسة، مما يزيد الضغط على السعر العالمي .
وأكد أن استقرار الأسعار في الذهب والفضة والنحاس مرهون بهدوء الأوضاع الاقليمية في المنطقة، وانخفاض وتيرة الصراعات القائمة حاليًا وخاصة بين إيران وأمريكا.
وأوضح «الشافعي» أن معطم الأفراد في العالم يتجهون إلى شراء الذهب، ومؤخرًا أصبح هناك فئة ليست بقليلة تشتري الفضة لما حققته من مكاسب ، أما بالنسبة للنحاس فالإقبال عليه يكون من الشركات وليس الأفرد حيث قلة المعروض منه سبب في ارتفاع سعره، مؤكدًا أن جميع الحكومات والأفراد ينظرون إلى كيفية الحفاظ على قيمة أموالهم عن طريق شراء المعادن .
