أبو عبيدة المصرى / يكتب : “اقتصاد الجباية” يستقبل الشهر الكريم !!

- ‎فيمقالات

في توقيت حساس يسبق شهر رمضان، خرجت البيانات الرسمية لتعلن تراجع التضخم السنوي في مصر إلى 10.1% في يناير 2026، مقارنة بمستويات أعلى بكثير في يناير 2025. خبر يبدو في ظاهره مطمئنًا، بل يمكن تسويقه باعتباره نجاحًا لسياسات البنك المركزي.

فبينما تتراجع المؤشرات على الورق، كانت الأسواق تتحرك في اتجاه معاكس تمامًا، أسعار الخضروات قفزت خلال أسبوعين فقط بنسب تراوحت بين 15% و35%. الطماطم ارتفعت من 12 إلى 18 جنيهًا في الجملة، وتصل إلى 30 جنيهًا في بعض الأسواق، البصل من 20 إلى 26 جنيهًا، والبطاطس من 13 إلى 17 جنيهًا، اللحوم قفزت إلى ما بين 450 و550 جنيهًا للكيلو، والدواجن لامست 115 جنيهًا.

 

هذه ليست أرقامًا تجريدية. هذه زيادات تضرب مباشرة إنفاق الأسر محدودة ومتوسطة الدخل قبل أسابيع من أكثر المواسم استهلاكًا في العام.

 

لماذا ترتفع الأسعار رغم تراجع العوامل الضاغطة؟

 

المفارقة أن مبررات الارتفاع تبدو أضعف من السابق.

 

الدولار مستقر نسبيًا أمام الجنيه.

 

أسعار الغذاء عالميًا وفق مؤشر "فاو" في اتجاه هابط خلال ديسمبر 2025 ويناير 2026.

 

أسعار الأعلاف عالميًا تراجعت بنحو 20% منذ أغسطس الماضي وفق تصريحات رسمية.

 

تكاليف الشحن والأسمدة في مسار نزولي.

 

ورغم ذلك، تتحرك الأسعار محليًا في الاتجاه المعاكس.

 

تبرير "فاصل العروة الشتوية" أو موجة البرد قد يفسر جزءًا محدودًا من الظاهرة، لكنه لا يفسر نمطًا متكررًا من الارتفاعات الموسمية قبيل رمضان، ولا يفسر استمرار موجات الغلاء حتى بعد زوال أسبابها المؤقتة.

 

 

جوهر الأزمة، كما تشير بعض التحليلات الاقتصادية، لا يرتبط فقط بعرض وطلب سلعة هنا أو هناك، بل بطبيعة النموذج الاقتصادي نفسه.

عندما يتوسع الاعتماد على الاقتصاد الريعي والجباية، ويتراجع الاستثمار الحقيقي في الإنتاج الزراعي والصناعي والقيمة المضافة، تصبح الأسواق أكثر هشاشة، والأسعار أكثر تقلبًا، والدخل الحقيقي للمواطن أكثر تآكلًا.

 

تراجع التضخم السنوي لا يعني أن الأسعار انخفضت، بل يعني أن وتيرة الزيادة أصبحت أقل مقارنة بسنة كانت الأسعار فيها مرتفعة بالفعل. المواطن لا يقارن بشهر يناير 2025، بل يقارن بقدرته الشرائية اليوم. وعندما يرتفع التضخم الشهري 1.5% مدفوعًا بالغذاء، فإن ذلك يعني ببساطة أن الضغوط لم تتراجع فعليًا.

 

الفجوة المتسعة بين التضخم المُعلن والتضخم المحسوس ليست مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل تعبير عن أزمة أعمق: غياب الانعكاس الفعلي لتحسن المؤشرات الكلية على الحياة اليومية للمواطنين.

 

الأزمة اليوم ليست أزمة أرقام، بل أزمة إدارة أولويات، ليست أزمة بيان إحصائي، بل أزمة ثقة بين السياسات الاقتصادية ونتائجها الاجتماعية.

 

ما لم يتحول التركيز من معالجة المؤشرات إلى معالجة هيكل الإنتاج والتوزيع والرقابة على الأسواق، ستظل البيانات الرسمية تقول: إن "التضخم يتراجع، بينما يشعر المواطن أن موائد رمضان تضيق عامًا بعد عام".