تشهد سوق السكر في مصر موجة جديدة من الارتفاعات مع حلول شهر رمضان، بعد قفزة مفاجئة في الأسعار بلغت نحو 2000 جنيه للطن فور إعلان الحكومة السماح بتصدير ما وصفته بـ«الفائض».
ورغم الحديث الرسمي عن وجود مخزون كبير يقترب من مليون طن، فإن الواقع في الأسواق يعكس صورة مختلفة تمامًا، حيث ارتفعت الأسعار إلى ما بين 26 و28 ألف جنيه للطن، في وقت يعاني فيه المستهلك من ضغوط معيشية متصاعدة.
ونقلت منصة "أحوال مصرية" عن عبد الله صلاح، صاحب سوبر ماركت بمدينة السادس من أكتوبر، صعوبة في توفير كميات كافية من السكر لتغطية احتياجات الشهر، في ظل إخطار الموردين له بزيادة سعر الباكتة – عبوة تضم 10 أكياس زنة الكيلو – من 240 جنيهاً إلى 270 جنيهاً.
وبحسب @Ahwalmesreya قال التاجر إن مخزون السكر المتوافر لديه يُباع بالسعر القديم، في حين قام تجار الجملة برفع أسعارهم تحسباً لزيادة رسمية مرتقبة من الشركات المنتجة، بينما قلل الموردون الكميات الموردة خلال الفترة الأخيرة.
خطوة حكومية تشعل الأسعار فورًا
وسمحت الحكومة خلال يناير بإعادة تصدير السكر لأول مرة منذ ثلاث سنوات، رغم قرار سابق بمدّ حظر التصدير حتى مارس. الاستثناء الذي كان مخصصًا لـ«الفائض» فُتح عمليًا على نطاق واسع، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار مباشرة. وأكد أحمد طبلاوي، رئيس إحدى شركات التعبئة، أن سعر الطن قفز من 23 إلى 25 ألف جنيه للمصانع، لتصل الأسعار النهائية للمستهلك إلى 28 ألفًا، واصفًا التوقيت بأنه «كارثي» قبل رمضان.
وسبق ليحيى كاسب، عضو شعبة المواد الغذائية، أن أشار إلى حالة ارتباك واسعة في السوق، مع زيادة الطلب وتوقعات بموجة جديدة من الغلاء، رغم أن المنطق يفترض انخفاض الأسعار في ظل وجود فائض معلن.
فائض على الورق… وغلاء في الواقع
وتستهدف وزارة التموين استلام نحو 6 ملايين طن من قصب السكر هذا الموسم، بينما تمتلك إحدى الشركات الحكومية وحدها مخزونًا يقترب من 200 ألف طن، تخطط لتصدير 35 ألفًا فقط منه. ورغم ذلك، قفزت الأسعار فور فتح باب التصدير، ما يكشف خللًا في إدارة ملف الفائض، إذ تحوّل إلى فرصة لتعظيم أرباح المنتجين عبر التصدير، بينما تُترك السوق المحلية بلا حماية كافية.
وفي هذا السياق قال مسئول حكومي إن الفائض المحلي يقترب من مليون طن، وأن موسم إنتاج البنجر يبدأ خلال أسابيع، ما يعني زيادة المعروض. لكن الأسعار ارتفعت بدلًا من أن تنخفض، في تناقض واضح بين البيانات الرسمية وما يواجهه المستهلك.
دعم الصناعة لا يجب أن يكون على حساب المواطن
ويرى الدكتور علاء عز، المستشار الاقتصادي لاتحاد الغرف التجارية، أن تصدير الفائض قد يكون منطقيًا لدعم الصناعة وتوفير العملة الصعبة، لكنه يشدد على ضرورة ضمان استقرار الأسعار المحلية قبل أي خطوة. ويحذر من أن اتخاذ القرار في توقيت حساس مثل ما قبل رمضان قد يؤدي إلى صدمة سعرية مباشرة للمستهلك.
ويشير خبراء إلى أن كيلو السكر أصبح عبئًا يوميًا على الأسر، في بلد يستهلك 3.2 مليون طن سنويًا، ويعاني من تضخم مرتفع في أسعار الغذاء منذ 2024.
المستهلك يدفع ثمن سوء الإدارة
ويؤكد حسن فندي، رئيس شعبة السكر باتحاد الصناعات، أن السكر سلعة استراتيجية لا تقل أهمية عن القمح، وأن أي قرار بالتصدير يجب أن يسبقه ضبط صارم للسوق ومنع الاحتكار. ويذكّر بأن تجارب سابقة في تصدير سلع أساسية انتهت بأن «المستهلك هو من دفع الفاتورة».
وقال حسن فندي إن قرار رفع الحظر عن تصدير السكر لا يعني السماح بالتصدير بصورة مطلقة، وإنما تصدير الفائض فقط عن احتياجات السوق المحلية، وبموافقات وزارية، بهدف تقليل المخزون المتراكم لدى المصانع، الذي يقدر بنحو مليون طن، وتوفير سيولة لعمليات التشغيل.
وأضاف "فندي" أن الارتفاع الأخير في الأسعار، الذي بلغ نحو 4 آلاف جنيه للطن، يرجع إلى آليات العرض والطلب، موضحًا أن الأسعار كانت قد تراجعت في وقت سابق من مستويات تراوحت بين 30 و31 ألف جنيه للطن نتيجة زيادة المعروض.
ويشير المهندس صلاح فتحي، رئيس شركة السكر والصناعات التكاملية، إلى خطة استثمارات حكومية بقيمة 26 مليار جنيه لرفع الطاقة الإنتاجية وتحقيق إيرادات تصل إلى 50 مليار جنيه في 2027. لكن منتقدين يرون أن هذه الاستثمارات لا تُترجم إلى حماية فعلية للمستهلك، في ظل غياب آلية شفافة لضبط الأسعار.
ويضيف خبير السلع الغذائية هيثم عبدالباسط أن ما يحدث يعكس نمطًا متكررًا في إدارة السلع الإستراتيجية، حيث تُتخذ قرارات قصيرة المدى تخدم طرفًا واحدًا، بينما يُترك المواطن لمواجهة الأسعار المرتفعة دون حماية.
ورغم إعلان الدولة عن فائض يقترب من مليون طن ومخزونات كبيرة لدى الشركات، فإن السماح بتصدير هذا الفائض أدى إلى قفزة فورية في الأسعار، لتصل إلى 28 ألف جنيه للطن. وفي غياب رقابة فعّالة أو سياسة واضحة توازن بين مصالح الصناعة وحقوق المستهلك، يبقى المواطن هو الطرف الأضعف، يواجه رفوفًا مرتفعة الأسعار قبل أسابيع من رمضان، بينما تستفيد الشركات من التصدير والأسعار العالمية.
وشهدت مصر خلال الفترة من أواخر عام 2022 وحتى منتصف 2023 أزمة سكر حادة، تزامنت مع تفاقم أزمة الدولار وارتفاع سعره في السوق الموازية إلى نحو 70 جنيهاً.
وأسهم ذلك في زيادة الطلب على تصدير السكر للاستفادة من فارق سعر الصرف، ما أدى إلى تراجع المخزون الاستراتيجي وارتفاع سعر كيلو السكر حينها إلى نحو 60 جنيهاً.
في ذلك الوقت، فرضت الحكومة حظراً على تصدير السكر لتوجيه كامل الإنتاج إلى السوق المحلية، وتم تجديد القرار أكثر من مرة.
وفي المقابل، رفعت الحكومة سعر توريد قصب السكر من المزارعين إلى 1500 جنيه للطن في موسم 2024، إلى 2500 جنيه للطن في الموسم الحالي، كما رفعت سعر توريد بنجر السكر إلى 2400 جنيه للطن، وهو ما أدى إلى زيادة المساحات المزروعة بنحو 25%، وفقاً لبيانات منشورة على موقع رئاسة الوزراء.
وبحسب البيانات الرسمية، بلغ إنتاج مصر من السكر نحو 3 ملايين طن، في حين يقدر الاستهلاك المحلي بنحو 3.2 مليون طن سنوياً.
وأسهم ذلك في تراجع الأسعار، حيث تراوح سعر كيلو السكر للمستهلك بين 27 و35 جنيهاً، وهو أقل مستوى خلال نحو 25 شهراً.