على غرار ما يفعله محررو واشنطن بوست مثل ديفيد إغناتيوس، يقدّم الباحث كريستيان أولريكسن—الخبير في شؤون الخليج والسياسة الإقليمية—قراءة تجمع بين التحليل الأمني والاقتصادي لفهم سلوك الإمارات والسعودية في الشرق الأوسط وأفريقيا.
وهذه المرة يطرح "كريستيان أولريكسن" مقالا للدفاع عن الإمارات، معتبرا أن السلوك الإماراتي في الشرق الأوسط وأفريقيا يجمع بين البعد الأيديولوجي والسعي إلى النفوذ العملي في آن واحد.
وقال: إن "الإمارات، منذ مرحلة ما بعد الربيع العربي، تبنّت موقفًا حادًا تجاه الحركات الإسلامية، سواء تلك المدعومة من قطر في ليبيا أو المرتبطة بالإخوان المسلمين في مصر وتركيا، هذا التوجّه الأيديولوجي دفعها إلى دعم قوى سلطوية في شرق ليبيا ردًا على دعم خصومها لجماعات تعتبرها إسلامية في الغرب، ومن هنا تشكّلت شبكة نفوذ تمتد من ليبيا إلى تشاد والسودان، تعكس حضورًا إماراتيًا متزايدًا في الإقليم".
وفي الوقت نفسه، تعد الإمارات من أكبر المستثمرين الدوليين في أفريقيا، حيث تضخ استثمارات ضخمة في الطاقة المتجددة والبنية التحتية، ما يكشف جانبًا اقتصاديًا واضحًا في سياستها الخارجية.
غير أن هذا الجانب الاقتصادي يرتبط بحسب رأيه أيضًا باعتبارات أمنية، إذ إن الشخصيات التي تقود ملفات الأمن الوطني، مثل طحنون بن زايد، هي نفسها التي تدير أكبر المجموعات الاستثمارية في البلاد، ما يجعل العلاقة بين الأمن والاستثمار جزءًا أساسيًا من نهج أبو ظبي.
أما السعودية، فيقدّمها أولريكسن بوصفها أقل تشددًا وأكثر براجماتية مقارنة بالإمارات، ففي اليمن مثلًا، كانت الرياض مستعدة للتعاون مع فصائل إسلامية محلية مرتبطة بالإخوان المسلمين، بينما رفضت الإمارات ذلك تمامًا.
ويعود هذا الاختلاف إلى حسابات المخاطر، إذ يتبنى محمد بن زايد نهجًا يقوم على “صفر تسامح” تجاه أي شكل من أشكال المعارضة السياسية، ويرى أن الحركات الإسلامية هي الأكثر قدرة على التحول إلى معارضة منظمة، ولذلك يسعى إلى منعها من الحصول على أي مساحة منذ البداية.
القرب من الاحتلال
ويستعرض "أولريكسن" الاتهامات السعودية للإمارات بأنها أصبحت قريبة جدًا من الكيان كانت جزءًا من حملة دعائية هدفت إلى تضخيم عمق العلاقة بين أبوظبي وتل أبيب، رغم أن السعودية نفسها كانت قبل 7 أكتوبر في مفاوضات متقدمة مع الولايات المتحدة بشأن اتفاق تطبيع محتمل مع الكيان، وقد صرّح محمد بن سلمان بذلك صراحة في مقابلة مع “فوكس نيوز” قبل أسابيع قليلة من أحداث غزة، واصفًا الاتفاق بأنه قد يكون الأكبر منذ نهاية الحرب الباردة، لكن التطورات اللاحقة جعلت تكلفة التطبيع أعلى بكثير بالنسبة للرياض، التي ما زالت ترغب في المضي فيه، لكنها تحتاج إلى ثمن سياسي أكبر لتمريره داخليًا.
ويرى أن السعودية أكثر حساسية تجاه الضغوط الداخلية من الإمارات، نظرًا لحجمها السكاني الكبير ومكانتها الدينية باعتبارها حاضنة مكة والمدينة، هذا يجعل صانعي القرار السعوديين أكثر حذرًا في كيفية تلقي سياساتهم، سواء داخل المملكة أو في العالمين العربي والإسلامي.
ويستدرك أنه رغم أن محمد بن سلمان اتخذ خطوات سريعة وجريئة في بدايات صعوده، فإن التعامل مع ملف حساس مثل العلاقات مع الكيان يفرض قدرًا أكبر من التروي، خصوصًا أن استطلاعات الرأي تظهر أن قطاعات واسعة من السعوديين لا تزال غير متحمسة للتطبيع.
عينهما على إدارة ترامب
وأشار إلى أن ما قاله محمد بن سلمان (أو لم يقله) خلال زيارته للبيت الأبيض في نوفمبر، وما إذا كانت الإمارات قد اعتبرت ذلك هجومًا عليها بدلًا من مجرد دعوة لفرض عقوبات على قوات الدعم السريع، هو موضوع جدل شديد بين الجانبين بحسب اولكيرسون مبينا أن "كل طرف يصدّق ما يريد أن يسمعه، ونعم، عمق المشاعر يشير إلى وجود قضايا أعمق بكثير، ففي اليمن تحديدًا، كانت الانقسامات تتزايد منذ سنوات مع اختلاف مقاربات البلدين للصراع، لكن كلاهما اختار تجاهل تبعات هذا الاختلاف، والآن أصبحت تلك التبعات أكبر من أن تُتجاهل.".
وقال: إن "السعوديين يشعرون بأن هناك توازن قوى هشًّا لكنه مستقر في اليمن منذ عام 2023، وأن هذه التحركات من جانب الإمارات، أو من جانب المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا، مزعزعة وغير ضرورية وتهدد ذلك التوازن".
ورأى أن العداء باقتراح فرض عقوبات على الإمارات، والحرب الدعائية بين الجانبين، والغضب الواضح لدى أشخاص في الحكومتين، يظهر على وسائل التواصل الاجتماعي وفي أماكن أخرى، "جزء من محاولة كل طرف ضمان أن تكون روايته هي السائدة، خاصة في ما يتعلق بإدارة ترامب".
النفط قبل بن سلمان
وعندما سُئل أولريكسن عن تأثير مقتل جمال خاشقجي على سلوك محمد بن سلمان، أكد أن الإدانة العالمية للحادثة لعبت دورًا مهمًا في إبطاء اندفاعه، فقد كان ولي العهد السعودي في عام 2018 في ذروة حملة ترويجية ضخمة في الولايات المتحدة، التقى خلالها رؤساء سابقين وقادة شركات التكنولوجيا، لكن كل ذلك توقف فجأة بعد مقتل خاشقجي، وأصبح محمد بن سلمان شخصية غير مرغوب فيها في الدوائر الغربية.
ومع ذلك، أعادت التطورات الجيوسياسية، خصوصًا بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، إدماجه تدريجيًا في المشهد الدولي، إذ أدركت الدول الغربية أنها مضطرة للتعامل معه بسبب دوره المحوري في سوق النفط، وهو ما ظهر بوضوح عندما زار الرئيس بايدن السعودية رغم تصريحاته السابقة.
العلاقة المبالغ فيها
وعن العلاقة بين محمد بن سلمان ومحمد بن زايد، قال "أولريكسن": إن "الرواية التي صوّرت العلاقة كعلاقة “معلم وتلميذ” مبالغ فيها، رغم أن محمد بن زايد، الأكبر سنًا بأربعة وعشرين عامًا، رأى في محمد بن سلمان نسخة شابة من نفسه: قائد مستعد للمخاطرة، وقادر على اتخاذ قرارات صعبة، ويمتلك رؤية واسعة للإصلاح الاقتصادي، وقد لعب محمد بن زايد دورًا مهمًا في تقديم محمد بن سلمان للغرب في بداياته، حين لم يكن كثيرون يعرفون من هو أو ما إذا كان ينبغي التعامل معه بجدية، لكن مع مرور الوقت، برزت طبيعة الشخصيتين القويتين، ومع صعود محمد بن سلمان ليصبح القائد الفعلي للسعودية، أصبح من المتوقع أن تظهر توترات حول من يمتلك اليد العليا في العلاقة، وهو ما يتجلى اليوم في شكل تنافس مكتوم لا يريد فيه أي منهما أن يكون الطرف الذي يتراجع.
https://www.newyorker.com/news/q-and-a/the-growing-rift-between-saudi-arabia-and-the-uae