رغم تراجع أسعار الغذاء عالميًا.. المصريون يدفعون فاتورة تضخم غير مسبوق
مع كل موسم رمضان، تتجدد معاناة المصريين، لكن رمضان 2026 يأتي محمّلاً بأعباء مضاعفة بعد عشر سنوات من السياسات الاقتصادية التي حولت سلة الغذاء إلى عبء ثقيل على ملايين الأسر.
شهدت أسعار اللحوم والدواجن والبيض والألبان والزيوت والسكر والياميش والخضروات قفزات متسارعة خلال الأيام الماضية، تزامنًا مع زيادة الطلب الموسمي، في وقت يؤكد فيه موزعون أن الاستهلاك في رمضان يرتفع بنحو 50% مقارنة ببقية شهور العام. غير أن الزيادة الحالية لا يمكن تفسيرها بعامل الطلب وحده، بل تأتي امتدادًا لموجة تضخمية ممتدة منذ 2016.
المفارقة الصادمة أن هذه الارتفاعات تتزامن مع تراجع أسعار الغذاء عالميًا، بحسب مؤشر منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة منظمة الأغذية والزراعة لشهر يناير 2026، إلى جانب استقرار نسبي في سعر الجنيه أمام الدولار خلال الأشهر الماضية.
من 8 إلى 47 جنيهًا للدولار.. قصة تعويم أنهك المصريين
تقرير صادر عن الغرف التجارية كشف أن موجتي التعويم في نوفمبر 2016 ثم مارس وأكتوبر 2022 مثلتا نقطة التحول الأخطر في مسار الأسعار، بعدما قفز الدولار من نحو 8 جنيهات إلى أكثر من 18 جنيهًا، ثم إلى مستويات تقارب 47 جنيهًا حاليًا.
هذه القفزات انعكست فورًا على تكلفة السلع المرتبطة بالاستيراد، سواء بشكل مباشر كالزيوت والسكر الخام ولبن البودرة والياميش، أو بشكل غير مباشر عبر مدخلات الإنتاج.
الأرقام تعكس حجم الانفجار التضخمي خلال عشر سنوات:
* جوال الدقيق (50 كجم) ارتفع من 147 جنيهًا عام 2016 إلى 850 جنيهًا في 2026 بنسبة 478%.
* كيلو الفاصوليا البيضاء قفز من 16 إلى 70 جنيهًا بنسبة 337%.
* الأرز السائب ارتفع من 7 إلى 23 جنيهًا بنسبة 228%.
* زيت دوار الشمس صعد من 37 إلى 210 جنيهات بنسبة 468%.
* الزبادي سجل زيادة تقارب 380%.
هذه الزيادات، وفق التقرير، تجاوزت أي تأثير موسمي لرمضان، وتعكس تآكل القوة الشرائية للجنيه، وتداعيات جائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، واضطرابات سلاسل الإمداد.
لكن منتقدين يرون أن الأزمة أعمق من عوامل خارجية، مشيرين إلى توسع دور المؤسسة العسكرية وأجهزتها الاقتصادية، وعلى رأسها جهاز "مستقبل مصر"، في السيطرة على قطاعات واسعة من السوق، بما يحد من المنافسة ويُضعف قدرة القطاع الخاص على ضبط الأسعار.
دعم بـ400 جنيه.. مسكن مؤقت لأزمة ممتدة
في مواجهة موجة الغلاء، أعلنت الحكومة عن تخصيص 8 مليارات جنيه دعماً نقدياً إضافياً لـ10 ملايين أسرة من حاملي البطاقات التموينية، بواقع 400 جنيه تُصرف على دفعتين خلال مارس وأبريل، إلى جانب 4 مليارات جنيه لـ5.2 ملايين أسرة مستفيدة من برنامج "تكافل وكرامة".
غير أن مراقبين يعتبرون هذه الإجراءات أقرب إلى "مسكنات مؤقتة" لا تعالج جذور الأزمة، خاصة مع بقاء الأسعار أعلى ما بين ثلاثة إلى ستة أضعاف مستوياتها في 2016.
ويؤكد تجار أن أي تحسن نسبي في توافر السلع أو النقد الأجنبي لم ينعكس بشكل حقيقي على أسعار التجزئة، بينما تستمر فجوة الثقة بين المواطن والسوق في الاتساع.
رمضان، الذي يفترض أن يكون شهر البركة والتكافل، تحول لدى كثير من المصريين إلى موسم حسابات دقيقة، بعد أن باتت سلة الغذاء شاهداً على عقد كامل من التضخم المتراكم، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية وتتآكل الطبقة المتوسطة بوتيرة غير مسبوقة.