في مشهد إقليمي متوتر، وصلت نحو خمسين مقاتلة أمريكية إلى الشرق الأوسط خلال 24 ساعة فقط، بالتزامن مع إغلاق إيران لمضيق هرمز لساعات محدودة، في خطوة حملت رسائل سياسية وعسكرية ثقيلة.
هذا التصعيد السريع أعاد إلى الأذهان سيناريو “حرب الـ12 يومًا”، وطرح تساؤلات ملحة، هل نحن أمام مواجهة وشيكة أم مجرد حرب أعصاب تمهّد لجولة تفاوض جديدة؟
البيت الأبيض
وأكد البيت الأبيض، أنه «من الحكمة» أن تُبرم إيران اتفاقًا مع الولايات المتحدة، وذلك بعد أيام من تصعيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لهجته تجاه طهران.
وقالت كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض إن إبرام إيران اتفاقًا مع الرئيس ترامب وإدارته سيكون أمرًا حكيمًا إلى حد كبير، في إشارة إلى رغبة الإدارة الأمريكية في دفع المسار التفاوضي رغم التوترات السياسية.
وأشار البيت الأبيض إلى أن المحادثات التي عُقدت هذا الأسبوع مع إيران في جنيف أحرزت «قدرًا قليلًا من التقدم»، وأوضح أن فجوات لا تزال قائمة بشأن عدد من القضايا، مضيفًا أنه من المتوقع أن تعود طهران بردود أكثر تفصيلًا خلال أسبوعين.
في سياق متصل، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية فرض قيود على تأشيرات دخول 18 مسؤولًا إيرانيًا وعدد من قادة قطاع الاتصالات، في أحدث خطوة تتخذها واشنطن ضمن حزمة إجراءات ضغط دبلوماسي وسياسي متواصلة تجاه طهران.
ومع تصاعد احتمالات اشتعال مواجهة عسكرية شاملة بين التحالف الأمريكي الصهيوني وإيران، يسود ضباب كثيف يلف دوافع التصعيد وحدوده، وحتى داخل البيت الأبيض لا يقدم الرئيس الأمريكي الإرهابي دونالد ترامب صورة واضحة عمّا يريده تحديدًا من هذا الحشد العسكري غير المسبوق، وفقا لتحليل نشره موقع رو ستوري الأمريكي.
ورغم غياب التبريرات العلنية، تكشف التحركات الميدانية وتناقضات الخطاب السياسي عن مسار ينذر بانزلاق واشنطن إلى مستنقع إقليمي جديد، يشبه تجارب سابقة دفعت ثمنها سياسيًا وعسكريًا لسنوات طويلة.
حاملة الطائرات جيرالد فورد
وتدفع واشنطن بثقلها البحري الأكبر نحو الشرق الأوسط، إذ تتحرك حاملة الطائرات جيرالد فورد باتجاه المنطقة، في حين تتمركز حاملة أخرى بالفعل في مياه قريبة من إيران، مدعومة بعدة مدمرات صاروخية، ويعكس هذا الانتشار مستوى استعداد عسكري استثنائي، لا يتسق مع خطاب التهدئة المعلن، ويعيد إلى الأذهان مراحل أولى سبقت تورط الولايات المتحدة في مستنقعات عسكرية طويلة الأمد.
ويتزامن هذا الحشد مع انتهاء جولة جديدة من المحادثات بين واشنطن وطهران دون تحقيق أي اختراق سياسي، بينما تنفذ إيران مناورات عسكرية في مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. ويؤدي هذا التلاقي بين انسداد الدبلوماسية وتصاعد الاستعراض العسكري إلى رفع مستوى القلق الدولي، ويزيد احتمالات الانزلاق غير المحسوب إلى مواجهة مفتوحة يصعب احتواؤها.
مستنقع استراتيجي
ويغذي هذا الغموض أسلوب الرئيس الأمريكي ترامب في إدارة الأزمات، إذ يعتمد خطابًا متقلبًا يجمع بين التهديد والطمأنة، وبين التصعيد والتراجع. ففي مرحلة سابقة، أعلن تحقيق ما وصفه بنجاح عسكري حاسم ضد منشآت نووية إيرانية، وأكد تدمير قدرات التخصيب، في لهجة توحي بحسم سريع، لكنها تتجاهل مخاطر التورط في مستنقع استراتيجي طويل الأمد.
ثم غير ترامب لهجته مع اندلاع احتجاجات داخل إيران، فرفع سقف التهديد، ولوّح بالتدخل، ودعا المحتجين إلى التحرك ضد مؤسسات الدولة، قبل أن يلمّح إلى دعم أمريكي وشيك. غير أن هذا الدعم لم يتحقق، ما خلّف شعورًا واسعًا بالارتباك والخذلان داخل الشارع الإيراني، وكشف فجوة عميقة بين الخطاب السياسي والقدرة الفعلية على التنفيذ.
ومع تصاعد أعداد الضحايا، عاد الرئيس الأمريكي للحديث عن تحركات عسكرية احترازية، من دون أن يحدد طبيعة الخطر أو الهدف النهائي. ثم وصف لاحقًا الأسطول المتجمع بأنه جاهز لتنفيذ مهمته بالقوة إذا لزم الأمر، في إشارات أعادت طرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذه المهمة، وحدودها، وما إذا كانت تقود إلى ردع محسوب أم إلى مستنقع جديد بلا أفق واضح.
اتفاق شامل
وفي تحول أكثر دلالة، ربطت الإدارة الأمريكية تجنب المواجهة بإبرام اتفاق شامل لا يقتصر على الملف النووي، بل يمتد إلى الصواريخ ودور إيران الإقليمي.
ويكشف هذا التوسع في الأهداف عن مسار تصاعدي يزيد تعقيد الأزمة، ويضاعف مخاطر الانزلاق التدريجي إلى مواجهة شاملة.
وتتضح الصورة أكثر مع تلميحات صدرت عن الرئيس الأمريكي بشأن تغيير النظام في إيران، باعتباره الخيار الأفضل من وجهة نظره.
التغيير بالقوة
وعند هذه النقطة، يبدو أن الأزمة تجاوزت حدود الردع أو التفاوض، واتجهت نحو تفكير يعيد إنتاج أخطر دروس الشرق الأوسط، حيث قادت محاولات فرض التغيير بالقوة إلى مستنقعات استنزاف طويلة.
وفي ضوء هذه المؤشرات، تواجه الولايات المتحدة اختبارا حاسما بين ضبط التصعيد أو الغرق في مستنقع إقليمي جديد، تتشابك فيه الحسابات العسكرية مع الطموحات السياسية، وتغيب عنه استراتيجية خروج واضحة.