تتزايد المخاوف الدولية من تحوّل مضيق هرمز إلى بؤرة أزمة طاقة عالمية، مع تصاعد التوتر العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، وتوقف حركة الملاحة فعليًا عقب صدور إعلان رسمي إيراني بالإغلاق. وفي الوقت الذي تكشف فيه تقارير تحليلية عن استراتيجية إيرانية معقّدة لتحويل الجغرافيا إلى أداة ردع، تحذّر مؤسسات مالية كبرى من أن استمرار التعطل قد يقود إلى شلل كامل في إنتاج النفط الخليجي.
الجغرافيا سلاح اقتصادي
يشير تقرير نشره ميدل إيست مونيتور (1 مارس) إلى أن إيران لم تسعَ إلى مواجهة الأسطول الأميركي عبر بناء قوة بحرية موازية، بل أعادت تعريف ساحة الصراع نفسها من خلال تحويل مضيق هرمز إلى أداة ضغط اقتصادي. ويعرض الباحث جاسم العزاوي كيف اعتمدت طهران على منظومة تهديدات غير تقليدية تشمل أسرابًا من الطائرات المسيّرة، وغواصات صغيرة، وما يقارب ستة آلاف لغم بحري، متمركزة حول جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى.
ويضيف التقرير أن وجود سفن مراقبة صينية قرب السواحل الإيرانية يزوّد هذه المنظومة ببيانات استهداف آنية، ما يقلّص الفجوة المعلوماتية التي اعتادت القوات الأميركية استغلالها. ووفق ميدل إيست مونيتور، فإن الهدف الإيراني ليس إغراق حاملات الطائرات، بل خلق حالة من الهشاشة في الأسواق العالمية، بحيث يؤدي أي اشتباك إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط.
وتشير تقديرات نقلها التقرير إلى أن إغلاقًا جزئيًا أو مؤقتًا للمضيق قد يرفع سعر البرميل إلى ما بين 120 و130 دولارًا، في حين لا تستطيع خطوط الأنابيب البديلة في السعودية والإمارات نقل سوى ثمانية ملايين برميل يوميًا من أصل عشرين مليونًا تمر عبر المضيق.
25 يومًا تفصل الخليج عن شلل نفطي كامل
في موازاة التحليل الجيوسياسي، أصدر بنك “جيه بي مورجان تشيس” تحذيرًا شديد اللهجة في 2 مارس الجاري من أن استمرار تعطل الملاحة في مضيق هرمز لأكثر من 25 يومًا سيقود إلى توقف قسري لإنتاج النفط في عدد من دول الخليج. وتوضح مذكرة البنك أن الطاقة التخزينية البرية المتاحة في الدول الخليجية المنتجة تبلغ نحو 343 مليون برميل، وهي كمية لا تستوعب سوى 22 يومًا من الإنتاج.
ويشير البنك إلى أن التخزين البحري يمنح مهلة قصيرة لا تتجاوز أربعة أيام إضافية، إذ لا تستوعب الناقلات الفارغة في الخليج سوى 50 مليون برميل. بعد ذلك يبدأ الضغط الحقيقي، إذ تضطر الحقول إلى إغلاق الصمامات بسبب امتلاء المخازن، وهو ما يصفه خبراء بأنه أخطر من توقف التصدير نفسه.
وتكشف بيانات جيه بي مورجان أن التدفقات عبر المضيق هبطت في 28 فبراير إلى نحو 4 ملايين برميل يوميًا، مقارنة بمعدل طبيعي يقارب 16 مليونًا، وهو ما وصفه محللون بأنه “اختناق” لا مجرد تذبذب. ويؤكد البنك أن 19 مليون برميل من الوقود السائل تمر يوميًا عبر المضيق في الظروف الطبيعية، وهي كميات لا يمكن تعويضها بسهولة عبر خطوط الأنابيب البديلة.
تصعيد عسكري يغيّر قواعد السوق
يربط تقرير جيه بي مورجان هذا الاختناق بالتصعيد العسكري الذي بدأ في 28 فبراير 2026، حين شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران، وردّت طهران باستهداف دول خليجية بينها قطر والإمارات والكويت والبحرين. ويشير التقرير إلى أن الأسواق لا تنتظر المواقف السياسية، بل تتفاعل مباشرة مع المخاطر، ما أدى إلى ارتفاع علاوات التأمين وإعادة تسعير الشحنات، بينما يراقب المستوردون الآسيويون الوضع بقلق، إذ تتجه 83% من الغاز المسال العابر عبر المضيق إلى آسيا.
وتؤكد الدكتورة ماري إلين أوكونيل، أستاذة القانون الدولي، أن تعطيل ممرات بحرية استراتيجية بفعل نزاع مسلح يفرض مسؤولية دولية لحماية حرية الملاحة، محذّرة من أن استمرار التعطل قد يقود إلى موجة تضخم عالمية جديدة.
أزمة تتجاوز الإقليم
ويخلص التقرير المدمج إلى أن إيران، وفق تحليل ميدل إيست مونيتور، تبني “فخًا جغرافيًا” لا يهدف إلى هزيمة القوة الأميركية عسكريًا، بل إلى جعل استخدام القوة مكلفًا إلى حدّ يعيد توجيه القرار السياسي في واشنطن. في المقابل، تكشف تحذيرات جيه بي مورجان أن استمرار التعطل لأكثر من 25 يومًا قد يقود إلى شلل إنتاجي في الخليج، وارتفاع أسعار النفط، واضطراب سلاسل الإمداد، وربما صدمة طاقة عالمية.
وبينما لم يُغلق المضيق رسميًا، فإن توقف السفن عن العبور خلق أثرًا اقتصاديًا مماثلًا للإغلاق الكامل. ومع استمرار التوتر حتى 2 مارس 2026، يقترب السوق من نقطة الانقطاع القسري، في وقت يكفي فيه اختناق ممر واحد لإرباك الاقتصاد العالمي بأكمله.
