فقد الجنيه المصري نحو 8% من قيمته في أقل من أسبوع واحد، في تراجع لم تشهده حتى الدول التي تخوض الحرب أو تقع على حدودها، حتى إن العملات المرتبطة بالدولار أو العائمة لم تتعرض لانهيار مشابه، ما يعزز فكرة أن الأزمة داخلية وليست نتيجة مباشرة للحرب.
وهنا تتجدد الأسئلة في مصر وعبر منصات التواصل الاجتماعي حول المسؤول الحقيقي عن هشاشة الاقتصاد، خاصة مع كل موجة اضطراب إقليمي أو حرب بعيدة لا تمسّ البلاد مباشرة، ويطرح كثير من النشطاء تساؤلاً مركزياً: لماذا يتأثر الاقتصاد المصري سريعاً بأي حدث خارجي، بينما الدول التي أقرب إلى مناطق الصراع لا تشهد الاضطرابات نفسها؟ هذا السؤال يتكرر مع كل ارتفاع في سعر الدولار أو موجة غلاء جديدة، ويعيد إلى الواجهة النقاش حول السياسات الاقتصادية المتبعة منذ سنوات، وحول مدى قدرة الدولة على حماية السوق من الصدمات الخارجية.
في هذا السياق، يحمّل بعض النشطاء عبد الفتاح السيسي رئيس الانقلاب المسؤولية المباشرة عن ارتفاع الأسعار وتدهور قيمة الجنيه، معتبرين أن الأزمة ليست وليدة الحرب في الخليج أو غيرها، بل نتيجة تراكمات داخلية، ويذهب هؤلاء إلى أن أي حرب—حتى لو كانت بعيدة آلاف الكيلومترات—تتحول في الخطاب الرسمي إلى مبرر جاهز لارتفاع الأسعار، بينما تبقى الأسباب الحقيقية مرتبطة بالسياسات الاقتصادية والديون وضعف الإنتاج.
الحرب ليست السبب
تنقل د. سامية هاريس (@SamiaHarris1) عضو (حزب تكنوقراط مصر) رؤية حادة حول الخطاب الرسمي الذي يربط ارتفاع الأسعار بالحرب، وتقول: إن "النظام يبشر المصريين بمزيد من الغلاء، رغم أن الدول التي تقع فيها الحرب نفسها لا تستخدم هذا الخطاب". وتضيف أن السيسي منذ وصوله إلى الحكم يبرر الفشل تارة بالإخوان وتارة بالحروب، بينما الحقيقة—بحسب رأيها—هي فساد وفشل إداري وسياسي واقتصادي. هذا الطرح يعكس رؤية قطاع من النشطاء الذين يرون أن الأزمة داخلية بالأساس، وأن ربطها بالحرب محاولة لصرف الأنظار عن الأسباب الحقيقية.
الأمن والاستقرار الزائفين
على الجانب الآخر، يقدّم حساب "على المعاش" @Prince1Ramdan رواية ساخرة، فيشير إلى أن مصر لم تدخل في صراعات ولم تُستدرج إلى حروب، وأن القيادة—بحسب وصفه—تتعامل بحكمة وبصيرة، لكنه يعترف في الوقت نفسه بأن الدولار وصل إلى 50 جنيهاً بعد أن كان 6 جنيهات، ويرى أن المصريين رغم ذلك ينعمون بالأمن والاستقرار.
وعلى سبيل النصيحة تناول الذراع الإعلامي عمرو أديب (@Amradib) زاوية "ارتيكاريا" الأسعار، قائلاً إن أي حادث صغير أو كبير في المنطقة يؤدي إلى قفزة غير مبررة في الأسعار داخل مصر. ويشير إلى أن التجار يستخدمون الأحداث الخارجية كذريعة، بينما تعاني الحكومة من ضعف الرقابة. ويطالب بقدر من الرحمة في الفواتير، مؤكداً أن الناس لم تعد تحتمل. هذا الطرح يسلط الضوء على جانب مهم من الأزمة: غياب آليات ضبط السوق.
الساخن يهرب في الدولة هشة
ويقدم الخبير حامد عز الدين (@hamedezzeldin) تفسيراً مغايراً، يبدو أنه متماهيا مع السلطة إذ يرى أن ترك الجنيه يتراجع أمام الدولار هو سياسة صحيحة لامتصاص صدمة خروج الاستثمارات الأجنبية بسبب الحرب في الخليج، ويشير إلى أن البنك المركزي رفض استنزاف الاحتياطي، وسمح للجنيه بالهبوط لتقليل خسائر المستثمرين الأجانب عند الخروج، وفي الوقت نفسه جعل الأصول المصرية أكثر جاذبية للمستثمرين الجدد.
ويضيف أن التدفقات الخارجة تجاوزت 4 مليارات دولار منذ أواخر فبراير، ما يجعل الضغط على الجنيه أمراً متوقعاً، هذا الطرح يعكس رؤية اقتصادية تقنية تفسر الأزمة بمنطق الأسواق لا بمنطق السياسة.
ولكن ردت الناشطة هند المصرية (@hind_selim22) فتطرح تفسيراً اقتصادياً، إذ تقول إن انخفاض الدولار إلى 47.5 لم يخفض الأسعار، وإن ارتفاعه إلى 51 خلال أيام لا يملك مبرراً اقتصادياً سوى هروب "المال الساخن"، وتضيف أن مصر دولة هشة في عهد السيسي، وأن الأسعار سترتفع مجدداً بحجة الدولار، ورغم حدة اللغة، فإن الفكرة الأساسية التي تطرحها تتعلق بغياب اقتصاد إنتاجي حقيقي واعتماد الدولة على تدفقات مالية قصيرة الأجل.
ويروى الناشط طارق جان (@TarekJan) تجربة شخصية مع رسالة تحذير من وزارة الخارجية حول دخول مصر من الجنوب أو الشرق، مشيراً إلى غياب البنية التحتية وضرورة حمل الدولار نقداً، ورغم الطابع الساخر في تعليقه، إلا أن الرسالة تعكس صورة سلبية عن الوضع الاقتصادي والخدمات الأساسية.
الناشط عمرو عبد الهادي (@amrelhady4000) يرى أن السيسي يستغل أي هدوء شعبي لفرض زيادات جديدة في الكهرباء والبنزين، وأن صندوق النقد يطالب برفع الدعم، ويعتبر أن الاستثمار في دولة "بوليسية"—بحسب وصفه—أشبه بالاستثمار في الهواء، وأن الحل يكمن في وقف الفساد، وفي تعليق آخر، يربط عبد الهادي موجة الغلاء بالحرب في إيران، لكنه يشير إلى أن الأسعار في دول الخليج وإيران نفسها لم تتغير، بينما ترتفع في مصر وحدها.
من الكباب إلى الضرائب
الناشط أحمد لطفي (@AHMADLO13219562) يقدّم مثالاً ملموساً على تدهور القوة الشرائية، إذ يشير إلى ارتفاع سعر كيلو الكباب من 95 جنيهاً في 2014 إلى 1500 جنيه في 2025، ويرى أن المشكلة ليست فقط في تدهور الجنيه، بل في الضرائب والرسوم وغياب الثروة الحيوانية وارتفاع أسعار الأعلاف والأسمدة.
https://x.com/AHMADLO13219562/status/1991636876197863794
وتشير رانيا الخطيب (@ElkhateebRania) إلى أن الأسعار ارتفعت 15 ضعفاً خلال فترة الحكم الحالي، وأن الحكومة زادت الجباية بشكل غير مسبوق. وفي تعليق آخر، تنتقد مشروع أراضي العاملين بالخارج، مؤكدة أن الدولة جمعت الدولارات ولم توفر أي مرافق، ما جعل الأراضي بلا قيمة حقيقية.
ويشاركها الناشط مصطفى الأنصاري الرأي في أن "العشرية الأخيرة" شهدت تصريحات رسمية لا تناسب سوى "مستشفى أمراض عقلية"—بحسب وصفه—من قبيل أن ارتفاع الأسعار يصب في مصلحة المواطن أو أن الطلاق سببه المسلسلات، ويعتبر أن الهدف من هذه التصريحات هو التهرب من المسؤولية.
https://x.com/ MAN /status/1996236201301360737
في المقابل، تنشر "الشروق" تصريحات رسمية عن ضخ 550 مليار دولار في البنية التحتية منذ 2014، بينما يرى "المجلس الثوري المصري" (@ERC_egy) أن ما يحدث هو تأجيل لإعلان الإفلاس، وأن بيع الأصول والقروض لن يغير المصير المحتوم. ويضيف المجلس أن الشعب مستسلم، وأن الديون تجاوزت قدرة الدولة على السداد، وفي تعليق آخر، يهاجم المجلس السيسي بشدة ويتهمه ببيع أصول الدولة.
https://x.com/ERC egy/status/1999454152326303930
وعن تبعات وجود الانقلاب أوضحت الأكاديمية عالية المهدي كيف الديون أصبحت عبئًا على الموازنة وأن إجمالي الأقساط والفوائد يمثل 142% من إيرادات الدولة.
في الوقت الذي تحدث 5 تغييرات وزارية في حكومة السيسي منذ تشكيلها الأول مع بقائه مصطفى مدبولي والذي يستمر في منصبه منذ يونيو 2018 ليكون ثاني أطول رئيس وزراء بقاءً على رأس عمله في تاريخ جمهورية السيسي الجديدة حتى الآن.