يتساءل كثيرون عن الأسباب التي تجعل كرامة المواطن المصري لا تُصان كما ينبغي وهو على قيد الحياة، ولماذا لا يحصل على دعم يكفل له حياة كريمة قبل أن تتحول معاناته إلى مأساة تستوجب تعويضاً بعد وفاته قد يصل إلى 600 ألف جنيه (لم تصل إلى الآن إلى أسر وعائلات أبناء طنوب التسعة) بل يصل منهم في الواقع سوى 25 ألف جنيه على الأكثر لأسرة المتوفي.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن الدولة كان يمكنها توفير دخل شهري لمن يعجز عن العمل، أو تقديم إعانة بطالة لحين إيجاد فرصة مناسبة، إضافة إلى دعم حقيقي للأيتام يضمن لهم حياة مستقرة.
ويُطرح مثال بأن كفالة اليتيم بمبلغ مناسب – كأن يحصل الفرد اليتيم على ثلاثة آلاف جنيه شهرياً – يمكن أن تحفظ كرامة الأسرة وتغنيها عن الحاجة، خاصة في ظل إنفاق السيسي مبالغ ضخمة على مشروعات مثل المنوريل والتي وصلت ل32 مليار جنيه لخدمة طبقة وفئة قليلة جدا من المصريين، أليس دعم الأيتام وهم أحياء أولى من انتظار صرف تعويضات بعد فقدان العائل؟
وفاة على مقاس والده
محمد، طالب في الصف الثاني التجاري، اضطر للعمل بعد وفاة والده في حادث مشابه قبل عام، كان يعول أسرته المكونة من أم وخمسة أشقاء، ويوازن بين الدراسة والعمل، حاولت والدته منعه من الخروج يوم الحادث، لكنه أصر قائلاً: "دول 200 جنيه يا أما، إحنا أولى بيهم." خرج ولم يعد، تاركًا والدته تواجه فقدًا مضاعفًا بعد رحيل الزوج والابن بالطريقة نفسها.
واضطر محمد للعمل باليومية مقابل 200 جنيه لإعالة أسرته بعد وفاة والده في حادث أثناء ذهابه للعمل، لكن محمد الذي لقي المصير نفسه، تُوفي مع تسعة من أبناء قريته "طنوب" بمحافظة المنوفية في حادث ب2 أبريل 2026.
وتكشف القصة عن واقع صعب يعيشه شباب القرية، حيث تراجعت مهنة الصيد التي كانت مصدر رزق أساسي، فاتجه الأهالي للعمل في مزارع الدواجن والفاكهة البعيدة نحو 30 كيلومترًا، مستخدمين سيارات نقل غير مخصصة لنقل الركاب، ما يعرضهم لمخاطر كبيرة، يعمل هؤلاء العمال ليلًا حتى الفجر دون عقود أو تأمينات، ويتقاضون بين 200 و300 جنيه يوميًا، ويحصل بعضهم على عدد من الدواجن مع نهاية كل دورة عمل.
وطريق "كفر داود – السادات"، كما أغلب طرق مصر يشكو الأهالي من خطورته منذ سنوات رغم وعود التطوير، ورغم تنفيذ بعض أعمال الرصف، تشير شهادات الأهالي وصور الأقمار الصناعية إلى أن الطريق لا يزال غير مكتمل.
تعاني قرية طنوب من نقص شديد في الخدمات الأساسية؛ فمشروع الصرف الصحي متعثر منذ سنوات، والغاز الطبيعي غير متوفر، والشوارع غير ممهدة، ولا توجد مدرسة ثانوية داخل القرية، كما أن الوحدة الصحية تقدم خدمات محدودة رغم وجود مستشفى تخصصي جديد.
أب رحل وترك كلمة لا تُنسى
وكان علي البلتاحي، 42 عامًا، يعمل باليومية ليعول أسرته ويضمن مستقبل أبنائه، كان شديد التعلق بابنته "ملك" التي كانت أقرب الناس إليه، خرج كعادته بحثًا عن رزقه، لكنه لم يعد، بعدما توفي في حادث طريق السادات مع ابن أخيه فاروق، ترك خلفه أسرة مكلومة، وزوجة تتساءل كيف ستكمل الطريق وحدها، وابنة تحمل في قلبها آخر جملة قالها لها: "ماليش غيرك يا ملك".
عريس لم يكتمل فرحه
فاروق، أحد ضحايا الحادث، كان قد عقد قرانه قبل أيام قليلة، وجهّز شقته استعدادًا لزفافه بعد شهر. كان أكبر إخوته، وتحمل مسؤولية الأسرة بعد وفاة والده، خرج للعمل مع عمه في يوم عادي، لكن الحادث أنهى حياته قبل أن يرى فرحته، تحولت زغاريد الفرح المنتظرة إلى بكاء، وترك رحيله صدمة كبيرة لدى أسرته.
5) شهادة الناجي من الحادث – لحظات لا تُنسى
وروى الناجي الوحيد، عم محمود، تفاصيل اللحظات الأولى بعد التصادم، مؤكدًا أنه استيقظ ليجد أصدقاءه بلا حراك، قال: إنهم "كانوا يعملون معًا يوميًا ويعيشون كالإخوة، وإن فقدانهم بهذه الطريقة ترك أثرًا نفسيًا قاسيًا عليه، خاصة أنه لم يتمكن من وداعهم".
دعوة للمحاسبة وتحسين الأوضاع
وأشار عبد الفتاح البقلي إلى تكرار حوادث الطرق التي يذهب ضحيتها شباب وفتيات في عمر الزهور، مثل حادث كفر السنابسة وحادث طنوب، وطرح تساؤلات حول السماح بنقل العمال في سيارات غير مخصصة، مطالبًا برقابة صارمة على الطرق، وتوفير فرص عمل داخل القرى لتقليل مخاطر التنقل.
وخيّم الحزن على قرية طنوب بعد وفاة 9 من شبابها في حادث تصادم بين سيارة ربع نقل تقل العمال وأخرى جامبو، الضحايا كانوا في طريقهم للعمل، ومن بينهم أب وابنه، وشقيقان، وشباب في مقتبل العمر، ونشرت أسماء الضحايا مؤكدة أن القرية تحولت إلى بيت عزاء كبير بعد الفاجعة.
وكان نحو 12 عاملًا من طنوب في طريقهم للعمل بمزرعة دواجن مقابل أجر يومي بسيط، استقلوا سيارة ربع نقل غير مخصصة لنقل الركاب، فاصطدمت بسيارة جامبو تسير عكس الاتجاه، أسفر الحادث عن وفاة 9 وإصابة 3، وجعل القرية كلها في حالة حداد، من بين الضحايا شباب في بداية حياتهم، وآخرون كانوا يستعدون للزواج أو يعولون أسرًا كاملة، أعلنت الجهات الرسمية صرف تعويضات لأسر المتوفين.
أعلنت الحكومة صرف تعويضات بقيمة 600 ألف جنيه لكل أسرة من أسر الضحايا، وأُلقي القبض على السائق ومالك السيارة المتسببة في الحادث.
أسماء الضحايا:
1. صبري حامد صبري (ابن الضحية حامد صبري).
2. محمد بركات شعبان.
3. حامد بركات شعبان (شقيق محمد بركات).
4. محمد حمزة المصري.
5. علي البلتاجي.
6. محمد ياسر الزنقلي.
7. عبد الله قطب خضر.
8. إبراهيم غطاس.
9. حامد صبري حامد (الأب).
حادث طنوب ليس معزولًا؛ فقد شهد عام 2025 وحده 217 حادثًا لعمال على الطرق، أسفرت عن 232 وفاة و1514 إصابة، وفق دار الخدمات النقابية، وتشير بيانات رسمية إلى أن الأطفال دون 15 عامًا هم الأكثر تضررًا من حوادث الطرق. واعتبرت المفوضية المصرية للحقوق والحريات أن الحادث يعكس استمرار الاعتماد على وسائل نقل غير آمنة للعمال، خاصة في المناطق الريفية.