فساد المحليات.. الحرائق تكتسح الورش والمصانع والهيئات العامة والخاصة فى محافظات الجمهورية

- ‎فيتقارير

مع تكرار الحرائق فى محافظات الجمهورية فى زمن الانقلاب خاصة فى الورش والمصانع والمصالح والهيئات العامة والخاصة أرجع بعض الخبراء هذه الظاهرة إلى فساد الحماية المدنية والمحليات حيث لا يتم الالتزام بنظم الأمن والسلامة عبر تركيب أجهزة إنذار وطفايات حريق، وأكد بعض أصحاب المصانع ان كل ما يهم مسئولى المحليات هو الحصول على مبالغ مبالية منهم، وهكذا تتحول المنشآت والمصانع والورش إلى قنابلَ موقوتةٍ تهدد حياةَ العمال والسكان.

كان المشهد الأبرز والأكثر فجيعة في هذا المسلسل المتكرر هو الحريق الذي اندلع داخل مصنع أحذية بمنطقة الزاوية الحمراء في القاهرة، وأسفر عن وفاة 7 فتيات من العاملات بالمصنع، تحولن في دقائق معدودة من السعي وراء لقمة العيش إلى جثث متفحمة تحت الرماد.

هذا المشهد ليس مصادفةً عابرةً أو حادثًا معزولًا، بل هو حلقةٌ متصلةٌ في مسلسل حرائق مرعب يتكرر يوميًا؛ جراء تكدس عشرات المصانع داخل أحياء سكنية مُزدحمة تستخدم موادَ قابلة للاشتعال من الكيماويات والزيوت الثقيلة دون وجود نظام إطفاء مبكر أو وسائل أمان.

فى هذا السياق كشف إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن وقوع 533 حريقًا في المصانع خلال عام 2025 وحده، بزيادة سنوية تقارب 15% عن العام السابق

 

تايوان مصر

في منطقة الـ 1000 مصنع، قرية باسوس التابعة لمحافظة القليوبية، التي تُلقب محليًا بـ"تايوان مصر"، يمكن بسهولة رصد مسببات هذه الحرائق، وكشف انتهاكات المصانع لاشتراطات الحماية المدنية، وفحص أسباب فشل الورش غير المرخصة في تطبيق أبسط معايير السلامة قبل أن يبتلع اللهب مزيدًا من الأرواح والممتلكات حيث تبين أن 99 % من مصانع القرية خالية تمامًا من أي وسائل أمان أو حماية حقيقية، فلا إنذارات حريق، ولا أجهزة تنفس، ولا غيرها، باستثناء طفايات الحريق المتوفرة عادة للوجاهة الرسمية.

من جانبه قال "حسن عبدالله" (اسم مستعار)، صاحب مصنع في باسوس، إن أغلبية مصانع المنطقة تتخصص في إنتاج الأسلاك وخراطيم الكهرباء التي تغذي آلاف البيوت، مؤكدا أن 99% من مصانع القرية خالية تمامًا من أي وسائل أمان أو حماية حقيقية، فلا إنذارات حريق، ولا أجهزة تنفس، ولا غيرها، باستثناء طفايات الحريق المتوفرة عادة للوجاهة الرسمية، وفي حالة حدوث حريق يعتمد المصنع المنكوب كليًا على الطفايات الخاصة بالمصانع الأخرى المجاورة في المنطقة .

 

الموضوع بيخلص بفلوس

وحول دور الرقابة وممثلي الأجهزة المحلية، أوضح عبدالله أن المحليات تزور مصانع المنطقة للاستعلام عن السجل التجاري، البطاقة الضريبية، ورخصة التشغيل، مع الاكتفاء الشكلي بوجود طفاية الحريق، لكنها لا تجري أي تفتيش حقيقي على أنظمة ووسائل السلامة الأخرى، والموضوع كله بيخلص بفلوس من تحت الترابيزة عند زيارة ممثلي الوحدة المحلية لأي مصنع، وفي حال عدم توفر الأوراق الرسمية، يأخذون مبالغ مالية من صاحب المصنع ثم يغادرون دون اتخاذ أي إجراء قانوني حقيقي ضده، وفي ناس من بتوع الوحدة المحلية بيكون ليها راتب ثابت (شهرية) بتاخدها من المصانع في مقابل إنه ميعملهوش محضر .

وكشف أن الهدف الأساسي لموظفي المحليات ينحصر في تحصيل الأموال والتربح من أصحاب المنشآت، وليس تطبيق النظام والرقابة الفعلية، خاصة في ظل رغبتهم المتعمدة في إبقاء هذه المصانع غير مرخصة وخارج إطار القانون لاستمرار منظومة الابتزاز المالي.

 

استخراج الترخيص

وأكد "محمد ثروت"، صاحب مصنع بالمنطقة، أن أجهزة الإطفاء المتوفرة في منشآته تقتصر حاليًا على الطفايات وأجهزة الإنذار.

واعترف “ثروت” فى تصريحات صحفية بنقص نظام رذاذ الحريق التلقائي، مشيرًا إلى أنه في صدد تجهيزه، وأن معداته تخضع لصيانة دورية كل ثلاثة أشهر .

وقال إن الجهات المحلية تشترط هذه المعدات كجزء أساسي لاستخراج الترخيص، وأن هناك التزامًا من قبله بتأمينها، لافتا إلى أن وحدة التنمية المحلية تقوم بزيارة مصنعه كل 6 أشهر لفحص أجهزة الإطفاء في إطار رقابة دورية .

 

حملات التفتيش

"محمد هاني" يمتلك مصنعين؛ أحدهما مزود بجميع وسائل الأمان والحماية، والآخر ما زال تحت الإنشاء وتنقصه بعض التجهيزات؛ نظرًا لارتفاع التكلفة الفلكية وعدم اكتمال المراحل التشغيلية.

وكشف "هاني" فى تصريحات صحفية عن أزمة الحملات التفتيشية وآثارها العكسية عبر نقاط محددة؛ أولها حملات الهروب وعقوبات الملتزمين قائلًا: عندما تأتي حملات التفتيش للمنطقة، يقوم أصحاب المصانع المخالفة بالإغلاق فورًا والهروب، في حين يقع الضرر الأكبر على المصانع المرخصة والملتزمة التي تفتح أبوابها؛ نتيجة وجود بعض النواقص الطفيفة في وسائل الأمان .

وتابع: جهات الرقابة تركز في المقام الأول على رصد المخالفات وتحصيل الغرامات، دون التوجيه أو التوعية، أو إعطاء أصحاب المصانع فرصة كافية لتقنين أوضاعهم، والكثير منا يرغب في العمل رسميًا، لكن القوانين والقرارات الحالية تُطبق بأسلوب ينظر إليه على أنه تعسفي .

 

تكاليف فلكية

ولفت "هاني" إلى أن الجهات المختصة تطلب عند استخراج التراخيص توفير وسائل أمن وحماية بتكاليف جزافية وفلكية قد تصل إلى نحو 800 ألف جنيه، وهو رقم يعجز عنه صغار المصنعين ويقودهم ذلك قسرًا إلى الهروب والعمل في الظلام.

وأشار إلى محاولات تأمين منطقة المصانع قائلًا: لدينا استعداد كامل كأصحاب مصانع لإنشاء وحدة إطفاء بالجهود الذاتية لحماية الأرواح والممتلكات، لكن طلبنا بإنشاء وحدة قريبة من المنطقة قوبل بالرفض من قِبل المسئولين في جهاز الحماية المدنية؛ بسبب توافر قطعة أرض لدينا مساحتها 220 مترًا، بينما يشترط الجهاز رسميًا قطعة أرض لا تقل عن 400 متر، ليتعطل تأمين آلاف الأرواح بسبب فجوة مساحية وإدارية .

وكشف "هاني" عن كارثة أكبر تتمثل في أن أصحاب المصانع يدفعون رسومًا تُقدم في صورة تبرعات لتدريب الكوادر العمالية على أعمال الحماية المدنية، غير أن الشهادات تُمنح في النهاية دون إجراء أي تدريب فعلي للعمال على أرض الواقع، في ظل غياب تام للمتابعة والمراقبة الحقيقية لعملية التأهيل.