أكد تقرير أممي قدمه المقرر الخاص بيدرو أروخو أغودو أمام مجلس حقوق الإنسان بجنيف عن إدارة "طبقية" للموارد المائية في مصر؛ حيث تُوجّه المياه لوفرة البحيرات والمنتجعات الفاخرة بالجمهورية الجديدة، على حساب القرى والمناطق المحرومة بالجمهورية القديمة.
ودعا التقرير إلى استدراك تداعي رأس مال مصر الزراعي إثر تحويل مياه النيل لـ المغامرات الصحراوية، مما أدى لتغلغل مياه البحر 100 كم داخل جوف الدلتا وتملح تربتها، منتقداً حجب نتائج تحاليل المياه بدعوى الأمن القومي وتغليظ العقوبات على شكاوى المواطنين بدلاً من معالجة التلوث.
وقال المقرر الأممي: "إن مصر تمر بمرحلة مهمة وحاسمة، إذ إن القرارات التي تُتخذ الآن ستؤثر في الحق في الحصول على مياه شرب مأمونة وخدمات صرف صحي لعشرات الملايين من الأشخاص الذين يعيشون في أوضاع هشة في الوقت الراهن، وبدرجة أكبر على الأجيال المقبلة".
وأشار إلى أن مصر تواجه آفاقًا حرجة فيما يتعلق باستدامة النظم الإيكولوجية المائية (النظم البيئية المائية، مثل الأنهار والبحيرات والمناطق الرطبة وما يعيش فيها) المرتبطة بنهر النيل، فضلًا عن أوجه عدم المساواة والفقر، وهي عوامل تشكل خطرًا على حقوق عشرات الملايين من الأشخاص الذين يعيشون في أوضاع هشة في الحصول على مياه الشرب وخدمات الصرف الصحي.
لا مساواة .. أين الخطر؟
وأكد أن التلوث المتراكم على امتداد نهر النيل، والذي يتفاقم في الدلتا بسبب تملّح طبقات المياه الجوفية والأراضي نتيجة لتغير المناخ، لا يؤدي إلى تعريض إمدادات مياه الشرب في المنطقة لمخاطر متزايدة فحسب، بل يؤدي أيضًا إلى تدهور خصوبة الأراضي الأكثر إنتاجية في البلاد.
وأضاف أن التحويل الواسع النطاق لمياه النيل لتطوير الري في المناطق الصحراوية، من خلال استثمارات ضخمة تثير شكوكًا بشأن جدواها الاقتصادية والاجتماعية، وفي أراضٍ ضعيفة الخصوبة وتعاني من مشكلات خطيرة تتعلق بالملوحة، يؤدي إلى تسريع وتفاقم أزمة عدم استدامة دلتا النيل.
وأعتبر أن المشكلات الخطيرة المتعلقة بعدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية والفقر، والتي تفاقمت بسبب إعطاء الأولوية للمدن الجديدة المخصصة للأكثر ثراءً، تؤدي إلى مشكلات خطيرة في الحصول على مياه شرب مأمونة فعلًا وخدمات صرف صحي في المناطق الريفية وفي الضواحي الفقيرة للمدن الكبرى.
وأعرب المقرر الخاص عن قلقه إزاء دخول الجهات الفاعلة الخاصة إلى قطاع المياه والصرف الصحي، وما قد يترتب على ذلك من تأثير في القدرة على تحمّل تكاليف هذه الخدمات وفي تحقيق الإنصاف.
https://www.ecoi.net/en/file/local/2144363/g2609719.pdf
زيارة ميدانية تاريخية
وفي عام 2026 زار أورخو بيدرو مصر لتقييم حالة مياه النيل، وبدأت ملامح التقييم الأممي الأخير بزيارة ميدانية رسمية أجراها الخبير الإسباني بيدرو أروخو أغودو إلى مصر في فبراير من عام 2026، تلبية لدعوة رسمية من الحكومة المصرية.
وتمثل هذه الجولة محطة استثنائية كونها الزيارة الأولى لهذه الولاية الأممية الخاصة بحقوق المياه منذ عام 2009، كما أنها الزيارة الأولى لأي من مقرري الإجراءات الخاصة للأمم المتحدة منذ جولة مقررة السكن اللائق الشهيرة في عام 2018، والتي صاحبتها أزمة حقوقية دولية بعد ملاحقة وتوقيف عدد من الأشخاص والنشطاء الذين التقاهم المفوض الأممي آنذاك.
وفي ختام جولته الميدانية، وتحديداً في 17 فبراير 2026، عقد المقرر الخاص مؤتمراً صحفياً بالقاهرة حذر فيه علناً من خطط الخصخصة وضخ المياه للشركات التصديرية بالصحراء على حساب الدلتا.
مجلس حقوق الإنسان بجنيف
وعقب هذه الزيارة بأشهر، وتحديداً في 14 سبتمبر الجاري، وقف المقرر الخاص المعني بالحق في مياه الشرب والصرف الصحي بيدرو أروخو أغودو أمام الدورة الرسمية لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، ليعرض تقريره القطري المفصل عن مصر، وقد وثق التقرير ما يوصف بالإدارة الطبقية للموارد المائية، كاشفاً عن فوارق صارخة في التوزيع؛ حيث يحصل الفرد في مجمع "نيو جيزة" السكني الفاخر على كمية مياه تعادل نحو ضعفين ونصف من نصيب المواطن في منطقة ميت رهينة بالجيزة، والتي لا يزال خمس الأسر فيها يعيشون خارج الشبكة الحكومية تماماً، مما يبرز التمايز بين تجمعات ترفيهية تتدفق إليها المياه بوفرة، وقرى ريفية تاريخية محرومة من الحد الأدنى للكرامة الإنسانية المقدر بـ 50 لتر مياه يومياً للفرد.
رصد واقع "الجمهورية الجديدة"
وتفاعل الحقوقي والسياسي أسامة رشدي عبر حسابه الشخصي @OsamaRushdi مع هذا العرض الأممي، معتبراً في تدوينة له أن التقرير يقدم دليلاً دامغاً على تهميش متعمد ومستمر لما أسماه "الجمهورية القديمة" واستنزاف مقدراتها لصالح مشروعات "جمهورية جديدة" مصممة للأثرياء وأصحاب النفوذ.
وأشار @OsamaRushdi إلى أن المعاناة لا تقتصر على المخاطر الخارجية مثل ملف سد النهضة الإثيوبي أو توقيع الرئيس عبد الفتاح السيسي على إعلان المبادئ دون اتفاق ملزم، بل تنبع أساساً من منطق الإدارة الداخلي الطبقي الذي يضع بحيرات الكومباوندز الترفيهية قبل حق الأغلبية في كوب ماء نظيف.
تحذيرات بيئية واقتصادية من مشروعات استصلاح الصحراء
التقرير الأممي والمناقشات المحيطة به استندت إلى معطيات علمية مقلقة حول جغرافية المياه في مصر، محذرة من مغبة تحويل مجاري مياه النيل ومصارف الدلتا الطبيعية نحو مشروعات الاستصلاح الصحراوية المستحدثة، هذا التوجه يسع من وتيرة تملح التربة وخزان الدلتا الجوفي الذي تغلغلت فيه مياه البحر بعمق 100 كيلومتر داخل اليابسة، وسط دراسات ميدانية ترصد ارتفاع الملوحة في 64% من عينات التربة و87.5% من عينات مياه الري شمال شرق الدلتا، وتواجه هذه الخطوات انتقادات اقتصادية حادة كونها تستنزف الدلتا التي تمثل رأس مال مصر الطبيعي والتاريخي المستقر لصالح مغامرات صحراوية باهظة التكلفة لم تُنشر دراسات جدواها كاملة للعلن.
.
غطاء قانوني لحجب البيانات
وعلى صعيد الشفافية وحق المعرفة، ركزت التقارير على التناقض بين تصريحات السلطات المصرية التي تفيد بتحليل نحو 13 مليون عينة مياه سنوياً، وبين رفضها القاطع لنشر النتائج بدعوى الأمن القومي وصعوبة استيعابها من الجمهور، وبدلاً من الانفتاح، جاء التشريع المحلي المتمثل في قانون تنظيم مرفق مياه الشرب والصرف الصحي الصادر برقم 172 لسنة 2025 (والذي أقر البرلمان مبادئه عام 2025 ودخل حيز التنفيذ لاحقاً) ليفرض غرامات مالية باهظة تصل إلى 500 ألف جنيه مصري على نشر ما تسميه السلطة شائعات حول جودة المياه، مما يضع المواطن تحت طائلة العقاب إذا حذر من التلوث، بينما يعفي الجهات المسؤولة من المحاسبة أو حجب المعلومات.
تقرير المبادئ العامة لعام 2024
وتأتي هذه المواقف الصارمة للمقرر الأممي بيدرو أروخو أغودو كإسقاط مباشر لرؤيته الفلسفية التي طرحها سابقاً في تقريره العام المقدم إلى الدورة الـ 57 لمجلس حقوق الإنسان في سبتمبر من عام 2024، في ذلك التقرير المبدئي، صاغ الخبير الأممي قاعدته العالمية بضرورة إدارة المنظومات المائية باعتبارها ممتلكات عامة وإرثاً طبيعياً مشتركاً لا يجوز احتكاره أو خصخصته.
وانتقد أروخو أغودو منذ عام 2024 نهج تحويل المياه إلى سلعة تجارية تُدار بمنطق السوق والقدرة على الدفع، مؤكداً أن إخضاع شريان الحياة لمنطق "البيزنس" والعرض والطلب ينسف جوهر حقوق الإنسان، وهي الرؤية التي طبقها لاحقاً وبشكل عملي عند تقييمه للوضع التشريعي والميداني في مصر.