“السيسي يحفر حفرة اقتصادية لمصر”… خبير أمريكي يحذر من كارثة الديون والهوس بالمشروعات العقارية

- ‎فيتقارير

في الوقت الذي تواجه فيه مصر بزمن المنقلب السفيه السيسى ، ضغوطًا اقتصادية متزايدة، تتجلى في تضخم أعباء الديون وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، أثار الاقتصادي الأمريكي البارز ستيف هانكي جدلًا واسعًا بتحذيره من السياسات الاقتصادية التي ينتهجها نظام عبد الفتاح السيسي، معتبرًا أن التوسع في الإنفاق والمشروعات العقارية العملاقة يدفع الاقتصاد المصري نحو مزيد من المخاطر.

ووصف هانكي، أستاذ الاقتصاد التطبيقي بجامعة جونز هوبكينز والمستشار الاقتصادي السابق في البيت الأبيض، ما يجري في مصر بأن السيسي "يحفر حفرة اقتصادية" للبلاد، مؤكدًا أن المشكلة الأساسية تكمن في نمط الإنفاق الحكومي وتضخم الالتزامات المالية.

وجاءت تصريحات هانكي بالتزامن مع الإعلان عن أربعة مشروعات عقارية وتنموية بالشراكة مع مجموعة طلعت مصطفى، باستثمارات معلنة تقترب من 11 تريليون جنيه، وهو رقم يتجاوز ضعف المصروفات السنوية المقدرة للموازنة العامة، وفق المقارنة التي طرحها الاقتصادي الأمريكي.

وتفتح هذه التطورات الباب أمام تساؤلات بشأن أولويات الإنفاق والاستثمار في مصر، ومدى جدوى الاستمرار في التوسع العمراني في ظل أزمة الديون واحتياجات قطاعات الإنتاج والصناعة والزراعة، فضلًا عن محدودية قدرة ملايين المصريين على شراء الوحدات السكنية التي تطرحها المشروعات الجديدة.

 

هانكي: السيسي يعاني مشكلة في الإنفاق

انتقد ستيف هانكي، في تصريحات نشرها عبر حسابه على منصة «إكس»، توجهات الإنفاق في مصر، مستشهدًا بالإعلان عن مشروعات عقارية تصل استثماراتها إلى نحو 11 تريليون جنيه، بما يعادل قرابة 202 مليار دولار وفق الأرقام المتداولة.

وأشار إلى أن القيمة المعلنة لهذه المشروعات تتجاوز ضعف الموازنة العامة المصرية التي قدرها بنحو 5.2 تريليون جنيه.

كما لفت إلى أن فوائد الدين العام وحدها تبلغ نحو 2.4 تريليون جنيه، أي ما يقترب من نصف قيمة المصروفات العامة وفق المقارنة التي استخدمها، معتبرا أن هذه الأرقام تعكس مشكلة في أولويات الإنفاق وإدارة الموارد الاقتصادية.

غير أن المقارنة بين استثمارات المشروعات العقارية والموازنة العامة تحتاج إلى توضيح مهم، إذ إن القيمة الاستثمارية المعلنة للمشروعات قد تشمل إنفاقًا خاصًا يمتد لسنوات، ولا تعني بالضرورة أن الحكومة ستدفع كامل المبلغ من الخزانة العامة خلال عام واحد.

ومع ذلك، فإن ضخامة هذه الاستثمارات تثير تساؤلات بشأن مصادر التمويل، وطبيعة مساهمة الدولة بالأراضي والبنية الأساسية، ومدى استفادة الاقتصاد الحقيقي من التوسع في القطاع العقاري.

 

التضخم والمعروض النقدي.. مؤشرات مقلقة

لم تقتصر انتقادات هانكي على المشروعات العقارية، بل امتدت إلى المؤشرات النقدية التي يرى أنها تكشف استمرار الاختلالات الاقتصادية.

وأشار إلى أن معدل التضخم السنوي في مصر يبلغ نحو 14% وفق البيانات التي استند إليها، وهو مستوى يتجاوز النطاق المستهدف الذي أشار إليه، والبالغ بين 5% و9%.

كما أوضح أن المعروض النقدي ينمو بمعدل سنوي يقارب 17%، متجاوزًا النطاق الذي يراه مناسبًا لتحقيق استقرار الأسعار، والمحدد في تقديراته بين 11.1% و15.1%.

ويرى الاقتصادي الأمريكي أن استمرار التوسع النقدي بمعدلات مرتفعة يمكن أن يزيد الضغوط التضخمية، خاصة إذا لم يقابله نمو حقيقي في الإنتاج وتوافر السلع والخدمات.

وفي هذا السياق، استخدم هانكي تعبيره اللافت بأن السيسي «يحفر حفرة اقتصادية لمصر»، في إشارة إلى ما يعتبره استمرارًا في سياسات تزيد الاختلالات بدلًا من معالجتها.

وتكتسب هذه التحذيرات أهمية في ظل التجربة المصرية خلال السنوات الماضية، التي شهدت موجات متتالية من انخفاض قيمة الجنيه وارتفاع أسعار السلع الأساسية، الأمر الذي انعكس على مستويات المعيشة والقدرة الشرائية للأسر.

 

11 تريليون جنيه للعقارات… ماذا أعلنت الحكومة؟

جاءت تصريحات هانكي عقب الإعلان عن أربعة مشروعات عقارية وتنموية بالشراكة مع مجموعة طلعت مصطفى، تتوزع على مناطق شرق القاهرة وغرب الإسكندرية وأبوقير والساحل الشمالي.

وبحسب التفاصيل الواردة في الإعلان، تشمل المشروعات:

أولًا: مشروع شمال مدينتي

يقع شمال مدينة مدينتي بشرق القاهرة، على مساحة تقدر بنحو خمسة ملايين متر مربع، باستثمارات معلنة تبلغ نحو 3.2 تريليون جنيه.

ثانيًا: مشروع غرب الإسكندرية

يمتد على مساحة تقارب 11.3 مليون متر مربع، باستثمارات تتراوح بين 1.3 و1.7 تريليون جنيه.

ثالثًا: مشروع أبوقير

مشروع متعدد الاستخدامات، يجمع بين الأنشطة الصناعية واللوجستية والسكنية والسياحية بالقرب من الميناء الجديد، على مساحة تقدر بنحو عشرة ملايين متر مربع، باستثمارات معلنة تصل إلى خمس تريليونات جنيه.

رابعًا: مشروع الساحل الشمالي

يقام على مساحة تقارب 10.4 ملايين متر مربع، باستثمارات معلنة تبلغ نحو 970 مليار جنيه.

وتشير هذه الأرقام إلى استمرار الرهان على التنمية العقارية والمشروعات العمرانية الكبرى باعتبارها أحد المحركات الأساسية للنشاط الاقتصادي.

لكنها تثير في الوقت نفسه تساؤلات بشأن قدرة السوق على استيعاب هذا الحجم من الاستثمارات، ومصادر الطلب المتوقع، والعوائد الاقتصادية والاجتماعية الفعلية لهذه المشروعات.

كما أن اختلاف طبيعة الأنشطة، خصوصًا في مشروع أبوقير الذي يتضمن مكونات صناعية ولوجستية، يستدعي تقييم كل مشروع على حدة بدلًا من التعامل مع جميع الاستثمارات باعتبارها مشروعات سكنية خالصة.

 

علاء الدين سعفان: الاقتصاد المصري يدفع ثمن الهوس العمراني

من جانبه، حذّر الخبير الاقتصادي والاستراتيجي الدكتور علاء الدين سعفان من استمرار الاعتماد المفرط على قطاعات الإنشاءات والعقارات، معتبرًا أن هذا التوجه يأتي على حساب قطاعات الإنتاج الصناعي والزراعي والتصدير.

وقال سعفان إن تحذيرات هانكي تسلط الضوء على اختلالات هيكلية يعاني منها الاقتصاد المصري، وفي مقدمتها توجيه جانب كبير من الاستثمارات نحو الأنشطة العقارية بدلًا من القطاعات القادرة على زيادة الإنتاج وتوفير النقد الأجنبي.

واعتبر أن التوسع العمراني المفرط يعكس خللًا في ترتيب الأولويات الاقتصادية، خاصة في ظل احتياجات البلاد إلى زيادة الصادرات وتقليل الواردات وتحسين الإنتاجية.

وانتقد ما وصفه بسياسات «الإسمنت والخرسانة»، معتبرًا أنها لا تمثل بديلًا عن بناء قاعدة صناعية وزراعية قادرة على تحقيق نمو مستدام.

ويرى سعفان أن الاعتماد على المشروعات العقارية الضخمة قد يحقق نشاطًا اقتصاديًا خلال مراحل الإنشاء، لكنه لا يضمن بالضرورة تدفقات مستمرة من النقد الأجنبي أو نموًا إنتاجيًا طويل الأجل.

وتعكس هذه الانتقادات مخاوف من أن يؤدي التوسع في القطاع العقاري إلى جذب التمويل والموارد بعيدًا عن المشروعات الصناعية والزراعية الصغيرة والمتوسطة، التي يمكن أن توفر فرص عمل وتساهم في زيادة الصادرات.

 

طلعت مصطفى.. تساؤلات حول تركيز الاستثمارات

أثار حجم المشروعات المعلنة بالشراكة مع مجموعة طلعت مصطفى تساؤلات بشأن درجة تركيز الاستثمارات العقارية الكبرى في عدد محدود من الشركات والمطورين.

وانتقد سعفان ما اعتبره توسعًا كبيرًا للمجموعة في السوق المصرية وأسواق إقليمية أخرى، من بينها السعودية والإمارات والعراق وسلطنة عمان.

كما طالب بتوضيح طبيعة التسهيلات والامتيازات التي تحصل عليها الشركات المشاركة في المشروعات الكبرى، ومدى خضوع التعاقدات لمعايير المنافسة والشفافية وتكافؤ الفرص.

وأثار تساؤلات بشأن العلاقة بين السلطة السياسية وكبار المطورين العقاريين، داعيًا إلى الكشف عن تفاصيل تخصيص الأراضي وآليات التمويل والعوائد المتوقعة للدولة.

غير أن هذه التساؤلات لا تثبت في حد ذاتها وجود مخالفات أو امتيازات غير قانونية، وهو ما يستلزم الاطلاع على العقود والبيانات المالية وشروط الشراكة قبل إصدار أحكام بشأنها.

وتظل القضية الأوسع مرتبطة بضرورة ضمان المنافسة العادلة وعدم تحول المشروعات الكبرى إلى مجال تتركز فيه الفرص الاقتصادية لدى عدد محدود من الكيانات.

 

هل تواجه مصر خطر الفقاعة العقارية؟

حذّر سعفان من مخاطر التوسع العقاري غير المتوازن، مستشهدًا بتجارب دولية شهدت أزمات حادة نتيجة تراكم الديون في قطاع التطوير العقاري.

وأشار إلى أزمة شركة «إيفرجراند» الصينية، التي أصبحت مثالًا بارزًا على المخاطر المرتبطة بالاقتراض المفرط والتوسع العقاري دون تدفقات نقدية كافية.

وكانت الشركة قد واجهت أزمة ديون ضخمة تجاوزت 300 مليار دولار، وأدت إلى اضطرابات واسعة في سوق العقارات الصينية.

ويرى سعفان أن هذه التجربة تقدم درسًا مهمًا بشأن ضرورة مراقبة مديونية المطورين العقاريين وتقييم الطلب الحقيقي على الوحدات السكنية والتجارية.

لكن المقارنة بين مصر والصين لا تعني أن السوق المصرية تواجه المصير نفسه حتمًا، إذ تختلف طبيعة التمويل والرقابة المصرفية والطلب العقاري بين البلدين.

كما أن إثبات وجود فقاعة عقارية يتطلب بيانات تفصيلية عن الأسعار والمبيعات والمخزون غير المباع والديون العقارية وقدرة المشترين على السداد.

ومع ذلك، فإن استمرار ارتفاع أسعار الوحدات السكنية بعيدًا عن مستويات دخول المواطنين يثير تساؤلات بشأن مدى ارتباط التوسع العقاري بالاحتياجات السكنية الفعلية.

 

ملايين الوحدات المغلقة.. لمن تُبنى المدن الجديدة؟

استند سعفان إلى بيانات منسوبة للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تشير إلى وجود نحو 13 مليون وحدة سكنية مغلقة أو غير مشغولة في مصر.

واعتبر أن هذا الرقم يعكس وجود اختلالات في توزيع الثروة العقارية، خاصة مع استمرار التوسع في إنشاء مجتمعات عمرانية جديدة.

وأشار إلى ما وصفه بظاهرة «مدن الأشباح»، منتقدًا إقامة مشروعات عمرانية ضخمة في مناطق صحراوية دون ضمان وجود طلب سكني كافٍ أو فرص عمل وخدمات تستقطب السكان.

غير أن عدد الوحدات المغلقة على المستوى القومي لا يكفي وحده لإثبات أن جميعها مهجورة أو بلا جدوى اقتصادية، إذ قد تشمل وحدات مخصصة للاستخدام الموسمي أو الاستثمار أو الانتقال المستقبلي.

كما أن تقييم المدن الجديدة يحتاج إلى بيانات عن معدلات الإشغال الفعلية وتطور أعداد السكان وتوافر الخدمات وفرص العمل.

ومع ذلك، فإن اتساع الفجوة بين أسعار العقارات وقدرة المواطنين على الشراء يطرح تساؤلًا بشأن المستفيد الحقيقي من التوسع العمراني.

فبينما تعلن الحكومة عن مشروعات بمئات المليارات والتريليونات، تواجه شرائح واسعة من الشباب صعوبات متزايدة في الحصول على مسكن مناسب بتكلفة تتناسب مع دخولهم.

 

تحذيرات من تراجع الجنيه إلى مستويات غير مسبوقة

ذهب سعفان إلى التحذير من سيناريوهات شديدة السلبية لمستقبل العملة المصرية إذا استمرت السياسات الاقتصادية الحالية دون إصلاحات هيكلية.

وتوقع، في تقدير شخصي، احتمال انخفاض قيمة الجنيه بمعدلات تتراوح بين 25% و30% سنويًا خلال السنوات المقبلة

وطرح مسارًا افتراضيًا قد يصل فيه سعر الدولار إلى مستويات تبدأ من 70 جنيهًا، ثم 90 و115 و140 جنيهًا، وصولًا إلى 200 جنيه بحلول عام 2030.

وتعكس هذه التوقعات درجة التشاؤم التي يبديها الخبير بشأن مستقبل الاقتصاد المصري، لكنها تظل سيناريوهات تقديرية وليست نتائج مؤكدة أو توقعات صادرة عن مؤسسة مالية دولية.

كما أن تحققها يعتمد على متغيرات عديدة، من بينها تدفقات الاستثمار الأجنبي وإيرادات الصادرات والسياحة وتحويلات العاملين بالخارج والسياسات النقدية والمالية والتطورات الإقليمية.

ولا يمكن الجزم بمسار سعر الصرف خلال السنوات المقبلة اعتمادًا على استمرار الاتجاهات السابقة وحدها.

ومع ذلك، فإن التحذيرات تعيد تسليط الضوء على الحاجة إلى معالجة الاختلالات الهيكلية التي تضغط على العملة المحلية، خصوصًا ارتفاع الالتزامات الخارجية وضعف قدرة القطاعات الإنتاجية على توفير النقد الأجنبي.

 

الديون تلتهم الموازنة وتضيق خيارات الحكومة

تأتي التحذيرات في وقت تواجه فيه مصر أعباء كبيرة لخدمة الدين العام، بما يحد من قدرة الموازنة على تمويل الخدمات الأساسية والاستثمارات الاجتماعية.

وبحسب الأرقام الواردة في المادة، تبلغ فوائد الدين نحو 2.4 تريليون جنيه، وهو مبلغ يمثل حصة ضخمة من المصروفات الحكومية.

وتشير التقديرات المذكورة أيضًا إلى استحقاقات ديون خارجية تبلغ نحو 60.9 مليار دولار خلال العام المالي محل المقارنة، تشمل أقساطًا وفوائد.

ويثير هذا الحجم من الالتزامات تساؤلات بشأن قدرة الاقتصاد على توليد موارد كافية من النقد الأجنبي، ومدى استمرار الاعتماد على الاقتراض وإعادة التمويل لسداد الالتزامات القائمة.

كما أن ارتفاع تكلفة خدمة الدين يحد من المساحة المتاحة لزيادة الإنفاق على التعليم والصحة والحماية الاجتماعية.

ولا تعني ضخامة الاستحقاقات الخارجية بالضرورة أن الدولة مطالبة بتوفير كامل المبلغ من موارد جديدة في وقت واحد، إذ قد تتضمن عمليات إعادة تمويل وتجديد التزامات، لكن استمرار الاعتماد على هذه الآليات يبقي الاقتصاد عرضة لمخاطر التمويل وتقلبات الأسواق.

 

التضخم والفقر.. المواطن يدفع فاتورة الاختلالات

في مقابل المشروعات الضخمة التي تعلنها الحكومة، تواجه الأسر المصرية ضغوطًا معيشية متراكمة نتيجة ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والمواصلات والخدمات الأساسية.

وبحسب رصد نشره الأكاديمي علي عبد العزيز، ارتفعت الأسعار بصورة تراكمية بنحو 451% خلال الفترة من 2014 إلى 2025.

ويعني ذلك، وفق الحساب التراكمي المشار إليه، أن المستوى العام للأسعار أصبح أعلى بأكثر من خمسة أمثال مستواه عند بداية الفترة.

كما تشير البيانات الواردة في المادة إلى ارتفاع معدل الفقر الرسمي من 27.8% في عام 2015 إلى 32.5% في بحث الدخل والإنفاق لعام 2017/2018.

وتتضمن المادة أيضًا تقديرات أحدث للفقر تتجاوز 38%، لكنها تحتاج إلى مراجعة مصادرها ومنهجياتها قبل التعامل معها باعتبارها معدلًا رسميًا معتمدًا.

وتكشف هذه المؤشرات، رغم اختلاف سنوات القياس ومصادر البيانات، عن حجم الضغوط التي تواجهها الأسر محدودة ومتوسطة الدخل.

فالتضخم لا يقتصر أثره على زيادة الأسعار، بل يؤدي أيضًا إلى تآكل المدخرات وانخفاض القوة الشرائية للأجور والمعاشات، ويزيد صعوبة تلبية الاحتياجات الأساسية.

وفي ظل هذه الأوضاع، يصبح السؤال بشأن أولويات الاستثمار أكثر إلحاحًا: هل تحقق المشروعات العقارية الكبرى عوائد اجتماعية واقتصادية تتناسب مع الموارد الموجهة إليها، أم أن قطاعات الإنتاج والخدمات الأساسية تحتاج إلى أولوية أكبر؟

 

ستة مطالب لإعادة بناء الاقتصاد

طرح علاء الدين سعفان مجموعة من التوصيات التي يرى أنها ضرورية لتجنب تفاقم الأزمة الاقتصادية، ويمكن تلخيصها في ستة محاور رئيسية.

أولًا: إعادة هيكلة الاقتصاد وتغيير أولويات الاستثمار

دعا إلى تقليل الاعتماد على الأنشطة الريعية والعقارية، وتوجيه مزيد من الموارد إلى الصناعة والزراعة والتصدير والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.

كما طالب بوضع خطة اقتصادية متوسطة وطويلة الأجل تستند إلى دراسات جدوى واضحة، بدلًا من الاكتفاء بإدارة الأزمات المتلاحقة.

 

ثانيًا: توحيد الموازنة العامة وتعزيز الشفافية

شدد على ضرورة إخضاع الأنشطة الاقتصادية التابعة لمختلف مؤسسات الدولة لرقابة مالية ومحاسبية فعالة، وتوسيع نطاق الإفصاح عن الحسابات والصناديق الخاصة. واعتبر أن توحيد قواعد الرقابة يمثل خطوة أساسية لتحسين كفاءة الإنفاق والحد من الهدر.

 

ثالثًا: تقليص الدور الاقتصادي للمؤسسة العسكرية

طالب بإعادة تنظيم النشاط الاقتصادي للمؤسسة العسكرية، وإتاحة مجال أوسع للقطاع الخاص المدني للمنافسة في الأسواق وفق قواعد موحدة.

ويرى أن تحقيق المنافسة العادلة يتطلب الفصل بين الأدوار التنظيمية والرقابية والأنشطة التجارية.

 

رابعًا: وقف التوسع في التعاقدات بالأمر المباشر

دعا إلى تعزيز المناقصات والمزايدات العلنية، ونشر تفاصيل العقود الكبرى وشروط تخصيص الأراضي، بما يسمح بتقييم العوائد الاقتصادية ويحد من مخاطر الفساد وتضارب المصالح.

 

خامسًا: تعزيز الرقابة المؤسسية على القرارات الاقتصادية

شدد على أهمية ألا تنفرد جهة واحدة باتخاذ القرارات الاقتصادية الكبرى، وضرورة تفعيل دور البرلمان والمؤسسات الرقابية والخبراء المستقلين في مراجعة المشروعات والسياسات المالية.

 

سادسًا: إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام

طالب بتوجيه موارد أكبر إلى إنتاج الغذاء والدواء والصناعة والتعليم والصحة والبحث العلمي، باعتبارها قطاعات ترتبط بصورة مباشرة بالأمن الاقتصادي وتحسين مستويات المعيشة.

كما ربط الإصلاح الاقتصادي بضرورة توسيع الحريات العامة وتعزيز المشاركة السياسية والمصالحة المجتمعية، معتبرًا أن الإصلاح المؤسسي والسياسي يمثل جزءًا من معالجة الاختلالات الاقتصادية.

 

اقتصاد الخرسانة أم اقتصاد الإنتاج؟

تعيد تصريحات هانكي وانتقادات سعفان طرح سؤال جوهري بشأن النموذج الاقتصادي الذي تبنته مصر خلال السنوات الماضية.

فالتوسع في البنية التحتية والعمران يمكن أن يمثل عنصرًا مهمًا في التنمية إذا ارتبط بزيادة الإنتاجية وجذب الاستثمارات وتوفير فرص عمل مستدامة.

لكن الاعتماد المفرط على المشروعات العقارية دون تطوير موازٍ للقطاعات الصناعية والزراعية والتصديرية قد يؤدي إلى اختلال في توزيع الموارد، خاصة عندما تكون احتياجات التمويل كبيرة والقدرة الشرائية محدودة.

كما أن الاستثمار العقاري لا يمكن تقييمه بحجم الإنفاق المعلن وحده، بل يجب النظر إلى العائد الاقتصادي الصافي، ومصادر التمويل، ومعدلات الإشغال، وفرص العمل، والآثار المالية على الدولة.

وفي المقابل، فإن توسيع قاعدة الإنتاج المحلي وزيادة الصادرات وتحسين كفاءة المؤسسات يمثل مسارًا أكثر ارتباطًا بتعزيز قدرة الاقتصاد على توفير النقد الأجنبي وتقليل الاعتماد على الاقتراض.

ومن ثم، فإن القضية ليست رفض التنمية العمرانية من حيث المبدأ، وإنما ضرورة تحقيق التوازن بينها وبين الاحتياجات الإنتاجية والاجتماعية الأكثر إلحاحًا.

 

هل تقود سياسات السيسي الاقتصاد إلى أزمة أعمق؟

تكشف التحذيرات التي أطلقها ستيف هانكي، وما تبعها من انتقادات اقتصادية، عن تصاعد المخاوف من استمرار الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد المصري.

فبينما تعلن الحكومة عن استثمارات عقارية بمئات المليارات من الدولارات، تستمر الضغوط المرتبطة بخدمة الدين والتضخم وتراجع القدرة الشرائية، وسط تساؤلات بشأن قدرة المشروعات الكبرى على تحقيق عوائد اقتصادية مستدامة.

ولا يكفي الإعلان عن حجم الاستثمارات لتقييم نجاح السياسات الاقتصادية، كما لا تكفي التحذيرات المتشائمة وحدها لإثبات أن انهيارًا اقتصاديًا أصبح حتميًا.

لكن المؤكد أن ضخامة الالتزامات المالية تستدعي قدرًا أكبر من الشفافية والمحاسبة، وإعادة تقييم أولويات الإنفاق والاستثمار، وقياس النتائج بما تحققه من إنتاج وفرص عمل وتحسن في مستويات المعيشة.

وفي المحصلة، فإن عبارة هانكي بأن «السيسي يحفر حفرة اقتصادية لمصر» تختصر انتقادًا أساسيًا لسياسات الحكم: التوسع في المشروعات الضخمة دون معالجة كافية لمشكلات الدين والإنتاج والتضخم.

ويبقى السؤال الذي تفرضه الأرقام على حكومة السيسي: هل تستطيع مصر الخروج من أزمتها الاقتصادية بمزيد من المدن والمشروعات العقارية، أم أن استمرار الرهان على الخرسانة في ظل تضخم الديون سيعمق الفجوة بين ما تعلنه الحكومة من إنجازات وما يعيشه المصريون من أزمات؟

فالتنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد الأبراج والمدن الجديدة أو بتريليونات الاستثمارات المعلنة، وإنما بقدرة الاقتصاد على إنتاج ما يحتاجه المجتمع، وتوفير فرص عمل حقيقية، وتحسين الدخول، وتخفيف أعباء المعيشة عن المواطنين.